القاضي عبد الجبار الهمذاني
101
المغني في أبواب التوحيد والعدل
على أنا لو سلمنا لهم ما ادعوه ، في ظاهر التأبيد يصح أن يصرف عن الدوام إلى التوقيت بدلالة ، فليس يخلو القوم من قبل « 1 » أن يدعوا أن هذه اللفظة لا تستعمل في التوقيت مجازا ، أو يجوّزوا ذلك فيها ؛ وإن ادّعوا ما قدّمناه فالذي بيناه في الشاهد يبطل قولهم ؛ ويبطل قولهم من وجه آخر ، وذلك أن اللغة إذا كانت توقيفا فالشاهد من خطاب اللّه تعالى ، في أن اللفظة يجوز أن تستعمل في المجاز أقوى من قول الواحد ، من أهل اللغة ، وإذا ورد منه تعالى ما دل على ذلك علمنا أن الاستعمال فيه على هذا الوجه صحيح ، إذا كان قد دلنا على أنه يتكلم ويخاطب بلغة مخصوصة ، فلا بد لهم من الإقرار بأن ذلك جائز . قلنا لهم : فإذا جاز أن يستعمل في التوقيت على طريق المجاز فجوزوا أن يحمل خطابه تعالى عليه ، إذا ورد من قبله دليل ، وهو النهى والإزالة ؛ ومتى قالوا عند ذلك : إن النهى لم يرد إلا ويجوز أن يرد ، كان الكلام في ثبوت النبوّة ، وانتقلوا عن الكلام في نسخ الشريعة ؛ على أنه لا بدّ للقوم من التزام ما ألزمناهم ، وذلك أنه قد ثبت أن التكليف لا يدوم ؛ لأن دوامه يمنع من حسنه ؛ من حيث صح أنه تعالى إنما يحسن أن يكلف تعريضا للثواب ، وصح أن الثواب دائم ، وأنه لا يجامع التكليف ؛ فإذن لا بدّ من انقطاع التكليف ؛ وهذا يمنع من أن يقال إنه أراد تعالى التأبيد والدوام ؛ وإن سلمنا ما ادّعوه في هذه الألفاظ والدلالة منه تعالى إنما هي الإرادة دون نفس اللفظ ، فإذا ثبت أنه تعالى لا يجوز أن يريد الدوام صارت اللفظة كأنها غير موضوعة له ؛ وهذا كما تقول : إن قول القائل : علمنا كل شيء ، وأكلنا كل شيء لما لم يصح حمله على ظاهره وجب أن يكون المراد به البعض « 2 » ، ويصير اللفظ كأنه وضع لذلك ، لأن اللفظ إنما يجب فيه خلاف هذا الوجه
--> ( 1 ) ساقطة من « ط » . ( 2 ) في « ص » إلى البعض .