القاضي عبد الجبار الهمذاني
68
المغني في أبواب التوحيد والعدل
واعلم أن الأصل في هذا الباب أنه قد صح في المكلف ، إذا كان لطفه فسادا لغيره ، أنه لا يحسن أن يكلف ولا يكون بمنزلة من لا لطف له . وصح أيضا ، فيمن المعلوم أنه لا لطف له ، أنه يحسن أن يكلف . فيجب أن يحل كل واحد من هذين الأصلين ما تقتضيه الدلالة . وقد علمنا أن المكلف إذا علم من حاله أنه يؤمن عند أمر يصح دخوله تحت الوجود والحدوث - ولولاه كان لا يؤمن - فمتى لم يحدث ذلك من قبل المكلف يكون قد أتى من قبله لا من قبل نفسه . فكل ما هذا حاله في ألطافه فيجب أن لا يحسن أن يكلف . وقد علمنا أن اللطف إذا كان مفسدة فهذا حاله ، وكذلك من كان لطفه في ظلم أو تكليف لما لا يطاق فهذا حاله ؛ لأنه تعالى قادر على إحداث ذلك وإنما لا يحدثه لقبحه ، لا لأنه يصح دخوله تحت الحدوث . فيجب أن يكون بمنزلة المفسدة في هذا الوجه ؛ فيصير التكليف مع فقد هذا اللطف قبيحا من حيث يؤدى إلى أن المكلف لم تزح علته فيما كلفه مع إمكان إزاحة علته . فأما إذا كان لطفه وجود ما لا نهاية له ، فهو بمنزلة من لا لطف له ؛ لأن ذلك مما لا يصح أن يدخل تحت الحدوث في حال يشار إليه / فيؤمن المكلف عنده . ومتى كان كذلك لم يحسن أن يكلف ، وأن يعتبر بمنزلة من لا لطف له ، لأنه لا شيء ( مما ) يصح أن يدخل تحت الحدوث فيختار الإيمان عنده . وذلك يفارق الوجه الأوّل ، لأنه إنما يصح التكليف عنده لأن هناك ما يشار إليه ويصح أن يدخل تحت الحدوث في حال مخصوصة فيؤمن العبد عنده . فإن قال : إن ما لا نهاية له مقدور أيضا ، وإن لم يفعل فيجب عنده أن يكون بمنزلة الأوّل ، أو الأوّل بمنزلته ، ويفارقان جميعا من لا لطف له .