القاضي عبد الجبار الهمذاني
65
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد ، فإذا جاز في بعض أفعال المكلف ما لا يكون له لطف ، جاز في كل أفعاله . وإذا صح في المشاهد أن يظن من حال الولد أنه لا لطف له يكون أقرب عنده إلى التعلم ، فما الّذي يمنع من كون ذلك معلوما في الحقيقة ؟ وإذا صح كونه معلوما في الشاهد ، وصح في القادر أن لا يختار مصلحة لأنه لا لطف له ، فما الّذي يمنع من مثله في التكليف ؟ وبعد ، فإن السمع قد نطق بما قلناه ؛ لأنه تعالى قد بين أن كثيرا من أفعال المكلف في المعلوم ما لو وقع لكان مفسدة فيه بقوله وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ « 1 » . فإذا صح أنها منقسمة ، ففيها ما فيه مفسدة ، وفيها ما لا مفسدة فيه . فكذلك القول في اللطف ؛ فأما من يقول : إذا لم يكن للمكلف لطف فتكليفه يقبح ، فإنا ( نؤاخذه « 2 » ) أن في جملة المكلفين من قد كفر وعصى ، ولا يجوز أن يقع منه ذلك وقد حصل اللطف المقتضى لوقوع ضدّه ، فكان يجب قبح تكليفه . وقد دللنا على حسن ذلك في باب تكليف من يعلم اللّه أنه يكفر . فإن قال : إذا أجريتم اللطف مجرى التمكين ، لأن المنع فيه كالمنع من التمكين ، لم لم يحسن منه تعالى أن يكلف أحدا ولا تمكين ؟ فكذلك لا يحسن منه أن يكلف ولا لطف ؟ قيل / له : إنما نحكم بأن اللطف كالتمكين إذا كان هناك لطف نتكلم عليه . فأما إذا لم يكن له لطف أصلا ، فسبيله سبيل الفعل الّذي لا يحتاج إلى تمكين زائد على ما يحتاج إليه كثير من الأفعال في أنه قد يحسن التكليف وإن لم يحتج إلى تمكين محدد . يبين ما قلناه أن التكليف يتضمن وجوب الألطاف . ولذلك يحكم بأنه بمنزلة
--> ( 1 ) قرآن ، سورة الشورى آية 27 . ( 2 ) في الأصل : « نوجده » .