القاضي عبد الجبار الهمذاني

532

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في هبة الأعواض والإبراء منها ، وما يصح ذلك فيه وما لا يصح . اعلم أن كل عوض يجوز توفيره معجلا في الدنيا ، فكما يجوز لمن يستحقه أن يطالب به ، فقد يجوز منه أن يهبه ويبرئه ويكون ذلك في باب الإسقاط بمنزلة الدفع والتوفير ، ويجرى مجرى سائر الحقوق . ولأنه لا فرق بين أن يثبت لزيد على عمرو دينار ، وبين أن يثبت له عليه العوض من جهة / أنه أتلف ثوبه وخرقه . وأما الأعواض الواجبة للعبد على اللّه تعالى ، أو ما يجب لبعض العباد على بعض مما يؤخر إلى الآخرة ، فإنه كما لا يجوز في الدنيا المطالبة به ، فكذلك لا يسقط بالهبة والإبراء . وكذلك فلو وفره في دار الدنيا من يستحق عليه ، لكان لا يسقط به الحق الّذي عليه ؛ لأن ذلك الحق مما التدبير فيه إلى اللّه تعالى ، وهو العالم بقدره ، القادر على إيصاله . فيصير ما يفعله الظالم في دار الدنيا من دفع ما يظن أنه هذا الحق ، بمنزلة ما يبتدئه من الهبات في ذلك الحق لا يسقط به . وليس يلزم على ما ذكرناه الإبراء من الدين المؤجل ، وذلك لأنه مما يصح المطالبة به ويجوز توفيره قبل الأجل . وإنما تفترق حاله قبل الأجل لما بعده « 1 » في وجوب المطالبة به ووجوب التوفير على وجه . فيجب أن لا تؤثر فيه الهبة . على أنا قد بينا أن تأخير العوض إلى الآخرة هو لمصلحة العباد ، ولأنه تعالى علم أن ذلك أتم في النظر لهم « 2 » . فلو علم ولى اليتيم أن الأولى في حق اليتيم التأخير ،

--> ( 1 ) أي تفترق حاله قبل الأجل عن حاله بعد الأجل ؛ فهو يستعمل لما ويريد عما . ( 2 ) يريد أتم لهم في النظر .