القاضي عبد الجبار الهمذاني

531

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عنه بما لا معنى لإعادته . وقد بينا من قبل القول في الظالم إذا كان من أهل النار ، وأن عوضه إذا صار حقا لغيره لم يحبط بعقابه ، ولا يصح أن يجعل تحقيقا له . وقد بينا أن المظلوم إذا كان من أهل النار ولم يصح إيصال المنافع إليه في حال العقاب أنه تعالى يجعل تخفيف عقابه بدلا من ذلك النفع . فإن قال : إن ذلك يكون فيما على القديم تعالى / من الأعواض . وأما إذا كان عوض المظلوم على ظالم هو من أهل الجنة والمظلوم من أهل النار ، فالمعلوم أن العوض الّذي كان يستحقه الظالم هو منافع مخصوصة ، فكيف يجوز أن ينقل إلى المعاقب تخفيف العقاب وهو مخالف لتلك المنافع ؟ أوليس ذلك يوجب أن المظلوم قد وفر عليه ما ليس بحق على الظالم ؟ قيل له : إذا كان ذلك الحق على اللّه سبحانه ، وكان المعلوم أنه يقوم مقامه إزالة بعض العقاب به ، فهو مخير بين توفيره إذا صح ، وبين إزالة ما يقوم مقامه . يبين ذلك أن العقاب حق له على المعاقب ، فيجوز أن يجعله في حكم القصاص للحق الّذي ينقله من الظالم ، كما يجوز للمدبر ولده أن يجعل الدينار قصاصا بدلا من الدرهم إذا علم أنه يقوم مقامه أو يكون أنفع منه . وما روى عن النبي صلى اللّه عليه من أنه توجد حسنات أحدهما فتجعل في سيئات الآخر ، يدل على ما نقوله ؛ لأنه بين بذلك أنه يجعل في جزاء سيئاته فيخفف به عنه . وهذا هو المعنى الّذي أشرنا إليه . وما روى عنه صلّى اللّه عليه أنه يقتص للجماء من القرناء يدل على ما قلناه ، لأنه لا يقع في الآخرة بضرر مثل الواقع في دار الدنيا . فالمراد بذلك ما ذكرناه من نقل ما تستحقه الاقتصاص القرناء إلى الجماء « 1 » .

--> ( 1 ) الظاهر أن المؤلف فهم الحديث حرفيا ، وفي الإمكان حمله على المجاز بأن يكون المراد أن اللّه تعالى ينتصف من الظالم للمظلوم .