القاضي عبد الجبار الهمذاني
530
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في بيان كيفية الانتصاف / الّذي يحب للمظلوم من الظالم اعلم أنا قد بينا من قبل أنه تعالى ينقل عن الظالم القدر الّذي يستحقه المظلوم عليه من المنافع فيكون منتصفا له منه ؛ لأنه تعالى إنما ينتصف للمظلوم لاستيفاء حقه . وإذا كان ما ذكرناه يتضمن استيفاءه فيجب أن يكون هو الانتصاف . فإن قال : إن ذلك يؤدى إلى أنه تعالى إنما يكون منتصفا له بأن يفعل به من المنافع ما كان يجب أن يفعله بالظالم لولا ظلمه . قيل له : كذلك نقول ، لأنه لو لم يظلم لكانت الأعواض التي يستحقها على ما ناله في الدنيا من الأمراض والأسقام والمصائب والغموم موفرة عليه . وإذا ظلم وجب توفير ذلك على من ظلمه على وجه الانتصاف ، كما يجب في الشاهد أن يوفر أحدنا حق زيد عليه . وإذا ظلمه بما يوجب مثل ذلك الحق عليه لم يلزمه توفيره وبطل حقه عليه . وإنما يذكر النقل في هذا الموضع للإفهام وليعلم أن ما فعله تعالى بالمظلوم لا يقع موقع التفضل ، وإلا فليس هناك عين تنقل من الظالم إلى المظلوم ، وإنما هو توفير الحق الّذي كان للظالم على المظلوم « 1 » . فكأنه تعالى يوفر ما كان يوفره على الظالم - لولا الظلم - على المظلوم ؛ فيوصف بأنه نقل تشبيها بنقل الأعيان من زيد إلى عمرو . وقد بينا من قبل أن ذلك لا يبطل بأن يقال بأن عوض الظالم قد يكون من غير جنس ما يلتذ به المظلوم ؛ بأن يكون الإضرار من البهيمة بالواحد منا ، وأجبنا
--> ( 1 ) أي توفيره على المظلوم ، وليس المراد كان للظالم على المظلوم .