القاضي عبد الجبار الهمذاني
528
المغني في أبواب التوحيد والعدل
من الفعل . وذلك لا يتأتى في القديم تعالى . وقد استدل رحمه اللّه على ذلك بأنه تعالى إذا كان هو الممكن من الظلم ولم يمنع منه لمصلحة تتعلق بالتكليف ، فيجب أن يكون متضمنا الانتصاف . وليس يقدح في ذلك تمكيننا الغير بالآلات لأنه لم يحصل منه مع التمكين الوجه الآخر الّذي ذكرناه ؛ لأن ذلك لا يتأتى إلا في القديم تعالى ، فلا يكون ذلك طعنا فيه . ويبين صحة هذه الطريقة أنا لو لم نقل بوجوب الانتصاف عليه تعالى ، لأدى إلى أن يضيع حق المظلوم ؛ لأنه إذا لم يتمكن من أن / ينتصف لنفسه ، ولا الظالم يمكنه أن ينصفه . فلو لم يجب ذلك عليه تعالى ، لأدى إلى إبطال الحق أصلا ؛ وثبوته « 1 » يمنع من بطلانه . « 2 » ومما يبين ما ذكرناه أنه تعالى إذا كان هو المدبر لعباده ، وكان الحق الّذي ينقل من الظالم إلى المظلوم فتقع به النصفة من جهة اللّه تعالى يحصل وهو حق للظالم ، فيجب أن ينقله إلى المظلوم . لأنا إن قلنا إنه يوفره على الظالم وقد صار حقا لغيره لم يجز ، وأوجب إضافة القبيح إليه تعالى اللّه عن ذلك . فيجب أن يوفره على المظلوم ، وهذا هو الانتصاف الّذي أوجبناه . وصار للقديم تعالى في هذا الوجه مزية على ما عليه الوالد من تدبير أولاده ؛ لأنه إنما ينتصف لبعضهم من بعض من حقوقهم وأموالهم ، وليس كذلك حال القديم سبحانه ، لأن الّذي به يقع الانتصاف هو الحق الّذي للظالم عليه من الأعواض . فلو لم نقل بوجوب الانتصاف لأدى إلى أن لا يفعل الحق الواجب ، أو إلى أن يوصله إلى الظالم ، مع أنه حق لغيره عليه . وإذا فسد هذان الوجهان ، ثبت ما ذكرناه .
--> ( 1 ) أي ثبوت الحق . ( 2 ) الأفضل بطلانه .