القاضي عبد الجبار الهمذاني
514
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إنا لا نوجب ما ذكرته من جهة العقل ، ولو وجب لكان يجب سمعا ، ولا دليل / في السمع على خلاف ما قلناه مما يسلم معه الجواب على كل حال ؛ وذلك أنه ورد السمع بأنه تعالى يكمل عقولهم في الجنة . لم يمتنع أن يحصل ذلك بعد توفير العوض عليهم ثم يديم التفضل ، وغير ممتنع أنه تعالى يجعلهم بمنزلة المراهق في الدنيا ، فلا يتبين النغص والغم بانقطاع ذلك ، وهذا هو الأقرب فيما يروى أن الأطفال خدم أهل الجنة ؛ فكأنه تعالى يعيدهم في الآخرة على ما يقارب حكمهم في الدنيا ، وعلى هذا الوجه روى أن اللّه تعالى يقتص للجماء من القرناء « 1 » ، وروى أنه تعالى يعيد بعض البهائم فيكون كالثواب لأهل الجنة بأن يحسن صورها ، ويعيد بعضها في النار فيكون عقابا عليهم كالحيات والعقارب ، وفي ذلك إبطال ما سأل عنه . على أنه تعالى لو أكمل عقولهم في الآخرة وأعلمهم أنه يصل عوضهم بالتفضل الدائم ، ما الّذي كان يمنع مما نقوله . أوليس قد صح أنه تعالى يتفضل على بعضهم ثم لا يجب مع تجويزه في التفضل أن ينقطع أن يغتم فيلزم دوام التفضل ؟ بل نقول إنه إن كان عاقلا فاللّه تعالى يعلمه أن ذلك يدوم ، أو يصرفه عن التفكير في دوام ذلك وانقطاعه . فمثل ذلك نجيب به في المعوض ، وهو أنه تعالى يعلمه أنه يديم عليه التفضل فلا يلحقه تنغيص لتجويزه انقطاع ذلك ، ولا يؤدى القول بانقطاعه إلى القول بدوامه على ما ظنه السائل . فإن قال على ما قدمناه من أنه تعالى يجوز أن يعوض ويقطع من غير غم : إما بالإماتة أو غيرها . أليس ذلك يؤدى إلى أنه تعالى عابث بما فعله من الإماتة . قيل له : إنه تعالى قد يجوز أن يفعلها على وجه يقع به لبعض عباده السرور . فيخرج من أن يكون عبثا ويحسن عبثا ويحسن فعله وإن لم تكن هناك مصلحة ؛ لأنه إنما
--> ( 1 ) الجماء الشاة التي لا قرن لها ؛ والقرناء ما لها قرن .