القاضي عبد الجبار الهمذاني

515

المغني في أبواب التوحيد والعدل

كان يجب أن لا يحسن إلا للصلاح لو كان مضرة . وأما إذا لم يكن فيه مضرة ، فإنه يكفى في إثبات حسنه ما يخرج به من أن يكون عبثا . وعلى هذا الوجه يصح ما يروى أنه تعالى يعوض البهائم ثم يقول لها كونى ترابا / فتخرج من أن تكون حية . فإن قال : أفتجوزون على هذا القول أن يقطع تعالى عن الحي العوض بغير الإماتة ، ولكن بفقد العقل أو قطع الشهوة أو الفناء . قيل له : إن فقد العقل يتضمن قطع العوض ؛ لأنه يصح إيصاله إليه معه ، كما يصح ذلك مع كمال العقل . فلا مدخل له في هذا الباب . وأما مذهب الفناء فلا يصح من حيث ثبت أن فناء بعض الأجسام فناء لسائرها . ولولا ذلك لكان كالإماتة في هذا الباب ، وأما قطع الشهوة فعلى مذهب من يقول إن الحي منا لا يخلو من شهوة أو نفار ، فذلك يبعد ، وأما على ما نقوله من أن الحي يجوز أن يخلو منها ، فما الّذي يمنع من أنه تعالى بعد توفير العوض لا يفعل فيه الشهوة والنفور ، ويجعله ممن « 1 » لا تلحقه مضرة ، ويصير جميع ما يشتهى عنده بمنزلة الأكل والنكاح عند الملائكة الذين لم يخلق لهم فيهما شهوة . فإن قيل : أفليس يلحقه الغم والحسرة متى علم المنافع التي ينالها غيره ؟ قيل له : إذا لم يجب أن يلحق الملائكة فيما لا تشتهى الغم ، فما الّذي يمنع من أن لا يلحقه ذلك في شيء من الشهوات . وإنما يغتم الحي منا بما يعلم أنه يضره ، أو يظن ذلك فيه . فإذا كان الحي ممن لا يلحقه المضار لفقد النفور عنده « 2 » ، فمن أين أن ذلك واجب فيه . فإن قال : لو كان العوض منقطعا لم يكن بعض المقادير بأن تنقطع عنده أولى من بعض ؛ وذلك يوجب فساد انقطاعه ووجوب دوامه .

--> ( 1 ) في الأصل مما . ( 2 ) في الأصل عنه .