القاضي عبد الجبار الهمذاني
5
المغني في أبواب التوحيد والعدل
أبو الحسين الخياط « 1 » رحمه اللّه وغيره . وقد كان جعفر بن حرب « 2 » يقول أيضا في اللطف بمقالة واسطة بين المذهبين ؛ لأنه كان يذهب إلى أن المكلف إذا كان ما يفعله من الإيمان مع عدم اللطف أشق وأعظم ثوابا ، فاللطف غير واجب . ومتى لم تكن الحال هذه فاللطف واجب . وقد حكى عنه الرجوع عن هذا المذهب . وسنبين القول في ذلك من بعد ، عند ذكر الخلاف بين الشيخين رحمهما اللّه . فأما من عدا ضرارا « 3 » وسائر المجبرة في ذكر الخلاف في اللطف فقد أبعد وقلّت معرفته بهذا الباب ؛ لأن الخلاف في اللطف إنما يتم بين القائلين بأن العبد يفعل ويوجد ؛ فيختلفون فيما عنده يختار الفعل ، ولولاه كان لا يختاره ؛ وإن صح الفعل منه في الحالين . وذلك لا يستمر مع القول بأن ذلك الفعل واقع منه من قِبَل اللّه سبحانه ؛ لأنه عند ذلك لا يتعلق بإيجاده به ، فكيف يلطف له في فعله . ولأنه يوجب أن اللطف في ذلك ، هو لطف للّه تعالى في إيجاده فيه . وقد أقرّ القوم بأنه تعالى لا يصح عليه اللطف ، فكيف يتكلم القوم في اللطف ؟ هل يجب أن يفعل بالعبد والحال ما قلناه ؟ وبعد ، فقد علمنا أن العبد لو كان موجدا أو محدثا ، ثم حصل ممنوعا بفعل عن فعل ، لما صح اللطف فيه . وكذلك فلو حصل « 4 » ملجأ إلى ما يفعله لما صح اللطف فيه . فبأن لا يصح ذلك فيه ، إذا كان ذلك الفعل من قبل غيره ، أولى . يبين ذلك أن العبد فيما يفعله تعالى من الأمور الضرورية ، لا يصح أن يتكلم في أنه يحتاج إلى
--> ( 1 ) أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط صاحب كتاب الانتصار . توفى سنة 290 ه ( 2 ) أبو الفضل جعفر بن حرب : معتزلي درس على أبى الهذيل العلاف وروى أقواله وردّ على بعضها . ( 3 ) ضرار بن عمرو : منسوب إلى المعتزلة ، كان من القائلين بالجبر ، وإليه تنسب فرقة الضرارية . ( 4 ) يستعمل المؤلف هذا النحو من التعبير كثيرا ؛ فيقول « حصل ملجأ » و « حصل ممنوعا » بدلا من أن يقول ألجئ أو منع .