القاضي عبد الجبار الهمذاني

6

المغني في أبواب التوحيد والعدل

اللطف في ذلك ؛ من حيث كان ذلك الفعل واقعا من قِبل غيره . فيجب مثله في سائر تصرفه على مذهبهم . وعلى هذا الوجه يلزمهم إبطال القول بالنبوّات والشرائع ، وسائر ما يتعبد تعالى به من حيث كان لطفا . وبعد ، فعندهم أن القدرة موجبة للفعل ؛ فكيف يحتاج العبد مع وجود ما يوجب الفعل فيه إلى أمر يختار عنده الفعل وينصرف عن غيره ؟ ولا فرق بينهم في هذا الباب ، وبين من تكلم في أن المرمىّ من شاهق يحتاج إلى لطف في نزوله مع ارتفاع الموانع . وبعد ، فإن اللطف الّذي قالوا يجب على اللّه تعالى فعله ، لا يخلو قولهم فيه من وجهين : إما أن يكون لطفا فيما وقع من العبد أو فيما لم يقع . وقد علمنا أن ما وقع أو سيقع قد حصل وجوده من قبله تعالى ، ووجود ما يجب وجوده عنده من قِبله تعالى ، وهي القدرة وغيرها . وإن كان يحتاج إليه فيما لم يقع ولا يقع ، فعندهم بأنه لم يفعل ذلك الشيء ولا القدرة الموجبة له . فلو فعل به كل أمر يتصوّر لم يكن له « 1 » في ذلك الفعل / تأثير . فإن قال ضرار ومن تبعه : إنما لا أتكلم في هذا ( ) لأنى أقول : إن القدرة قدرة على الضدّين ؛ فيصح قولي في اللطف هل يجب أم لا يجب ؟ قيل له : قد بيّنا في باب الاستطاعة أنه لا بدّ لك ، إذا قلت إنها مع الفعل ، من أن تشير إلى أمر يجب لأجله وجود أحد المقدورين ، وأن ذلك الأمر في أن عنده يجب وجوده ، بمنزلة القدرة لو لم يتعلق إلا بمقدور واحد . فإذا لم يتمّ لمن قال بهذا المذهب في القدرة أن يتكلم في اللطف ، فكذلك لا يتم لك . وكل ما ذكرناه يبين أن القوم تذكر هذا المذهب عابثين ، وأن الكلام معهم عبث لا فائدة فيه .

--> ( 1 ) أي العبد .