القاضي عبد الجبار الهمذاني

478

المغني في أبواب التوحيد والعدل

يكون الواقع منها من الضرر « 1 » حسن غير قبيح : لأن تضمنه تعالى العوض فيه بمنزلة إباحة ذبح البهائم على ما بيناه . وفي علمنا بقبح ذلك منها دلالة على فساد هذا القول . فإن قال : ومن أين أن هذا الفعل يصح منها ؟ قيل له : لأنه قد ثبت في عقولنا حسن منع البهيمة عن الإضرار بالغير ، وأنه قد يجب ذلك في بعض الأحوال . ولو كان ما تفعله حسنا لقبح منعنا لها من ذلك على هذا الوجه ، كما يقبح منا منع ذابح البهيمة من الذبح لما حسن ذلك منه ، وكما يقبح منا منع البهيمة من تناول الحشائش وسائر المباحات . فإن قال : لو كان ذلك يقبح منها لاستحقت الذم كما يستحقه أحدنا على فعل القبيح . قيل له : إنما يستحق الذم بالقبيح متى تمكن فاعله من التحرّز منه بالمعرفة والتمييز ، وذلك لا يتأتى في البهيمة ؛ فلذلك لا تستحق الذم . فإن قال : هلا قلتم إنه لا يلزمها العوض لمثل ما قلتم إنها لا تستحق الذم على هذا الضرر ؟ قيل له : إن العوض ليس من شرط استحقاقه أن يكون المستحق عليه عاقلا أو متمكنا من التحرّز منه كما أن ذلك من شرط استحقاق الذم بالقبيح . فلذلك فرّقنا بين الأمرين . فإن قال : هلا قلتم إن من شرط لزوم العوض ما قلناه ؟ قيل له / إن العوض قد يجب بالضرر الحسن والقبيح . فكما أن القبيح ليس من شرطه « 2 » ، فكذلك التمكن من التحرّز منه . وليس كذلك حال الذم . لأنه كما لا يستحق إلا بالقبيح ، فكذلك لا يستحق إلا مع تمكن فاعله من التحرّز منه . يبين ذلك أن العوض قد يستحق عليه بفعل الغير إذا كان قد عرض له أو ألجأ إليه ، ولا يجوز أن يستحق الذم

--> ( 1 ) في الأصل : الصورة . ( 2 ) في الأصل : شرط .