القاضي عبد الجبار الهمذاني

459

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وما يفعله زيد من الضرر ويكون لطفا لغيره ، لا يجب أن يكون فرضا عليه ، بل يجوز أن يكون مباحا ، ويكون متى لم يقع ، يوجد ما يقوم مقامه ؛ كما نقول في كثير من الحدود وما يسقط بالسنة من التعزير وغير ذلك . وأما من صنف كتاب النوح « 1 » على البهائم وأورد ما يجرى مجرى الترفيق / في القول فبأن يناح عليه في باطله أولى . وذلك لأنه تعالى إذا علم أن هذه البهيمة إذا ذبحت تستحق أن يعيدها تعالى ويوفر عليها من الأعواض المنافع العظيمة في الأزمنة الطويلة على قول من يقول بانقطاع العوض ، وعلى التأبيد « 2 » على قول من يقول بدوامه ، وصار قدر ذلك النفع القدر الّذي لو كان حاضرا أو البهيمة عاقلة لتمنت لأجله الذبح متكررا حالا بعد حال . فمتى اختار تعالى هذا الذبح على ما ذكرناه ، كان أنفع لها وصار ذلك في بابه بمنزلة أن يختار تعالى للعبد التكليف الّذي يوصله إلى درجة الثواب . فكما ليس لأحد أن ينوح « 3 » على نفسه بالتكليف ، فكذلك ليس له أن ينوح لأجل البهيمة بالذبح . وإنما أتى في ذلك لجهله بالفرق بين المجازاة المتأخرة والمعجلة ؛ « 4 » لأن أحدنا قد يقصد إلى ولده فيشدد عليه في التأديب مدة من الزمان حتى يفوته من الراحة والدعة واللذة والانتفاع بما « 5 » يحتوى عليه ملكه ويتمكن منه ، لعاقبة لا يعلم هل يصل إليها أم لا يصل ، ولا يجب أن ينوح على نفسه فيما يدبر به ولده من حيث سلبة اليقين من الراحة واللذة للشك ؛ فكيف يجوز أن ينوح على البهيمة مع أنها سلبت متيقنا لأمر آخر متيقن يزيد قدره عليه ، بحيث لا يمكن أن يوصف ؟ ويقال لهذا الجاهل : لا تخلو من وجهين : إما أن تقصد بهذا الكلام نصرة الإلحاد فيجب أن يكون الكلام معك في الأصل الّذي يتبعه هذا الفرع ؛ أو تنصر نفس

--> ( 1 ) يريد البكاء . ( 2 ) الدوام إلى الآبد . ( 3 ) غير منقوطة ولكن المراد ينوح بالنون . ( 4 ) الدوام إلى الآبد . ( 5 ) في الأصل لما .