القاضي عبد الجبار الهمذاني

460

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الكلام في الآلام والذبائح وتطعن في وجه حسنهما . فالذي بيناه قد تجلى به حسن ذلك . ومتى حسن ذبح البهيمة فلا معنى لسائر ما ذكرناه . ومن الطريف أنه لا يزال يورد في ذلك الشبه بجواب . يقول : لو أنطقت البهيمة واختصت بالتمييز فقالت ما الّذي أذنبت وعلى ما ذا أقدمت ، وما الّذي بيني وبينكم من العداوة ؛ ولما ذا تكرهون الحياة ولا مضرة عليكم ؟ ولما ذا تشفون / غليلكم منى ولا جريرة لي إليكم ، إلى غير ذلك مما لو تأمل الحال فيه لعاد عليه البعض في تدبير نفسه وتدبيره ولده ، ولعلم أن ذلك إذا كان للنفع والاستحقاق ، فليس يجوز أن يذكر هذا الجنس من القول ، ولعلم أنه مترد « 1 » في العمى بما يورده . وإنما يعبر بمثل ذلك العوام . وأما من له بصيرة بما تحسن له الآلام وتقبح ، فلا يعتبر « 2 » بهذا الجنس . ويكفى المتكلم جرما فيما يؤلفه أن يتقرب به إلى العوام ، ويستحق فيما أودعه كتابه من أهل الفضل والتمييز الجهل والنقص . ثم انتهى بعد ذكر ما جرى مجرى ما قدّمناه إلى أن قال في كتابه : فيجب أن لا يكون السمع قد ورد بذلك ، وأن يجب أن يخطأ « 3 » الرواة في هذا الباب ؛ لأن تخطئتهم أولى من تخطئة الحكيم فيما يفعل ويقبح . وهذا جهل ، وذلك لأن ذبح البهائم مما يعلم حسنه ضرورة من دين النبي عليه السلام . فليس هو من الباب الّذي يرجع في حسنه إلى اعتبار رجال الرواة والمخبرين . وإذا كان كذلك ، فكيف يصح ما تعلق به لولا الجهل المستولى على قلبه ؟ على أن غرض الرجل بما أظهره معروف ، وإن أظهر في نصرته مثل هذا الكلام على وجه يخفى . ومن أشد الأمور على الثنوية إباحة ذبح البهائم . فقصده ذلك بالكلام الّذي أورده . ولو علم ما يناله عند ذوى البصيرة من الفضيحة بذلك لكان بالسكوت أولى .

--> ( 1 ) في الأصل متردد . ( 2 ) في الأصل بغير . ( 3 ) في الأصل يخطى .