القاضي عبد الجبار الهمذاني
454
المغني في أبواب التوحيد والعدل
حتى يصير بحيث يختار جميع العقلاء على اختلاف أحوالهم المضرة لأجله . فلو حسن الذبح للعوض الّذي على الذابح لما حسن لأن قدر ذلك لا يبلغ مبلغا يحسن به . وإنما يحسن لأنه تعالى يضمن فيه العوض العظيم على ما بيناه فيما يفعله تعالى من الآلام والأمراض . فإن قال : إن حسن منه تعالى أن يبيح ذبح البهائم للعوض ، فيجب أن يحسن منا أن نبيح لغيرنا الإضرار بالحيوان للعوض ، وقبح ذلك معلوم ، فيجب بطلان ما ذكرتم . قيل له : قد بينا من قبل أن قدر العوض الّذي يضمنه تعالى لا نعلمه ، فربما لم نقدر عليه . وكما لا يحسن منا أن نؤلم قياسا على ما يحسن من اللّه سبحانه من الأمراض والأسقام ، فكذلك القول في الإباحة . وأما ما يفعله في نفسه من الآلام أو فيمن يدبره ، فقد يجوز أن تقوم الإباحة فيه مقام الفعل ؛ لأن للإنسان أن يبيح غيره من ضرره ماله إن فعله بنفسه / لبعض الأغراض ؛ وكذلك فيمن يدبر أمره . وأما ما يفعله بالعقلاء فقد بينا أنه لا بد من اعتبار اختبارهم في قدر العوض إلا أن يبلغ مبلغا يزول عنه اللبس ، فلنا أن نفعله بها . وفي الوجه الّذي لنا أن نفعله لنا نبيحه ويتضمن العوض . فقد أجرينا إباحة الألم مجرى فعل الألم من العباد . فكذلك يجب فيه تعالى أن لا تفترق الحال فيه . وقد بينا أن شيوخنا رحمهم اللّه قد فصلوا في ذلك بينه تعالى وبين العبد بأنه تعالى لما كان هو المتفضل بإحياء العبد والبهيمة وبما يختصان به من الصحة وسائر النعم دون العباد ، كان له من تدبيرهما فيما يفعله بهما أو يبيحه ما ليس للعبد ؛ فحسن منه تعالى من ذلك ما لم يحسن من العبد ؛ وصار القديم تعالى من هذا الوجه في حكم من يدبر اليتيم أنه بتدبيره أولى من نفس اليتيم وإن كان مراهقا ، وذلك