القاضي عبد الجبار الهمذاني

455

المغني في أبواب التوحيد والعدل

لأنه أعرف بما ينفعه ويضره وقد تكفل به . فكذلك حاله تعالى مع العباد من الوجه الّذي بيناه ، لأنه إذا اختص بأن اخترعهم « 1 » وأحياهم وأكمل نعمه عليهم ، فهو بتدبيرهم أولى . وبما لهم فيه من الحظ أعرف . وإذا كان كذلك ، كان له أن يفعل فيهم من الأمراض والمضار ، ويبيحه ما ليس لغيره إذا تضمن العوض عليه وعلم فيما يفعله وجوه المصالح فيه . وقد بينا من قبل أن ذكر اللطف في هذا الباب لا معتبر به ، لأن ما يحسن منه تعالى أن يفعله للعوض واللطف قد يحسن من العبد أن يفعل مثله بنفسه وبمن يدبر أمره من دون لطف . فالاعتماد على ما قدمناه أولا هو الواجب دون ذكر ما بيناه به ، ليتبين أنه تعالى يختص من التدبير للعباد بما « 2 » ليس لغيره . فإن قال : أفتقولون إنه تعالى بإباحته الذبح قد يضمن العوض في حال الإباحة أو قبلها ؟ فإن قلتم في حال الإباحة ، وجب أن يكون قبيحا لما لم يثبت أنه حسن من قبل . والإباحة دلالة ، ولا يجوز أن تقوم الدلالة على حسن شيء لم يثبت / حسنه بالدلالة ولا في حالها . وإن قلتم إنه قد يضمن العوض من قبل ، فيجب إذا أقدم العبد على ذبح البهيمة قبل الإباحة أن يحسن لأن التضمن قد تقدم . وإذا لم ينفك حال تضمن العوض من هذين الوجهين ، وقد بطلا ، فقد بطل ما ذهبتم إليه . قيل له : إن الإباحة تدل على أنه تعالى قد يضمن العوض على الذبح ، فلا فرق بين أن يكون التضمن متقدما أو مفارقا في أن دلالتها « 3 » عليه لا تتغير وإذا لم يؤثر ذلك في دلالتها ، فلا وجه للقدح بذكرها . وليس يجوز عندنا أن يتضمن تعالى العوض في الذبح ولا يبيحه حتى تتأخر الإباحة ؛ وذلك لأن الذبح لا يحسن

--> ( 1 ) يستعمل المؤلف كلمة اخترع بدلا من خلق . ( 2 ) في الأصل ما . ( 3 ) أي دلالة الإباحة .