القاضي عبد الجبار الهمذاني

406

المغني في أبواب التوحيد والعدل

منا في الطفل والبهيمة ما ذكرتموه أن الفاعل لا بد فيه ما ذكرته ، لأن الألم المستحق من صفته أن يقع من فاعله على وجه الاستخفاف والإهانة . وأما غير الفاعل فله أن يفعل ذلك من غير أن يصير وجها للألم على ما قدمناه ، لأنه لعلمه بحلول تلك الآلام المستحقة قد علم أنه من أهل العقاب . ومن هذا حاله يعلم أنه يستحق الذم واللعن والاستخفاف ، فيكون له أن يفعله به على ما ذكرناه في المصر . فإن قال : إنما لم يستحسن ذلك / لاعتقادكم في هذه الآلام أنها محنة . وأما نحن فلا نستحسن ذلك في الطفل لما اعتقدنا أنها عقوبة . قيل له : إن العلم بأن الطفل - وهو ما هو عليه - لا يستحق ذمه ولعنه ، لا يختص بواحد دون آخر ، فلا يجوز أن ندعو حسن ذلك في عقولكم . فإن قالوا : إنا نستحسن ذمه ولعنه لأنا نقصد بذلك الروح الّذي فيه دون شخصه . قيل لهم « 1 » : قد بينا أن الحي هو هذا الشخص في باب الكلام على الإنسان ، وقد ادعينا الآن أن المتقرر في العقل قبح ذلك في الطفل والبهيمة وهما على هذه الصفة ، فلا فرق بين من أجاز افتراق العقلاء فيه وبين من أجاز افتراقهم في الاعتقاد بأنه بصفة العقلاء الكاملين . فكما أن ذلك لا يصح ادعاؤه ، فكذلك ما ذكرناه . فإن قال : ألستم تجوزون ما نذهب إليه في التناسخ لولا الدليل ولا تدعون معرفة بطلانه باضطرار ، فكيف يصح الآن أن تدعوا قبح ذم الطفل والبهيمة إذا لحقهما ؟ قيل له : إنه لا يمتنع حصول العلم بما ذكرناه على الجملة ، ثم نبنى عليه إفساد قولكم . وهذا كما نقوله للمجبرة أنا متى علمنا حسن ذم الفاعل منا للقبيح ومدحه على الحسن في الجملة ، توصلنا بذلك إلى أن نعرفه فعله .

--> ( 1 ) في الأصل له .