القاضي عبد الجبار الهمذاني
407
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد ، فلا فرق بين من قال يحسن منا ذم الطفل والبهيمة ولعنهما ، أو يحسن ذلك من بعض العقلاء ، وبين من قال : إنه يحسن إيلامهم بالضرب وغيره ؛ لأنه قد ثبت أن الإضرار بالغير إنما يحسن متى علم وجه حسنه إما علم جملة أو تفصيل . فمتى لم يحصل في العقل العلم باستحقاقهما للذم والاستخفاف ، لم يحسن فعل ذلك بهما . وعلم بهذه الطريقة أن من اعتقد حسنه فهو غالط في ذلك ، وأنه لا فرق بينه وبين من قال من الثنوية إن الآلام كلها قبيحة وكذلك الذم / والاستخفاف . وبطلان ذلك يبين فساد هذا القول . ويدل على ما قلناه أيضا أنه قد ثبت في الأنبياء والصالحين أن الآلام والأمراض والشدائد تنزل بهم مع وجوب مدحهم وتعظيمهم ، وقبح ذمهم والاستخفاف بهم ، مع علمنا بأنهم من أهل الثواب لا من أهل العقاب . وهذا يبين أن هذه الآلام ليست عقوبة وأنها محنة . فكما أنها فيهم محنة ، فكذلك في غيرهم . ولا يمكن للسائل أن يقول في الأنبياء ما قاله في البهيمة والطفل لأنا قد علمنا من حالهم أنهم لا يستحقون العقاب البتة . فما أوردناه من الأسئلة زائل عن هذه الدلالة . فإن قال : إن الأنبياء يستحقون العقاب ، فلذلك حسن منه تعالى أن يؤلمهم . قيل له : فيجب أن يحسن منا أن نلعنهم ونذمهم ، وقد علمنا فساد ذلك لأن تعظيمهم واجب لا محالة . وبعد : فلا يخلو من يقول : يستحقون العقاب مع الثواب ، أو يستحقونه دون الثواب . وقد علمنا أنهم من أهل الثواب . وقد ثبت بما يذكره « 1 » في الوعيد
--> ( 1 ) أي اللّه تعالى .