القاضي عبد الجبار الهمذاني

405

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في بطلان القول بأن الأمراض / والأسقام في دار الدنيا إنما يفعلها تعالى للاستحقاق وما يتصل بذلك من الكلام على أصحاب التناسخ اعلم أن الّذي يذكر من الأدلة في ذلك لا يخرج عن قسمين : أحدهما يدل على أن هذه الآلام الواقعة ليست مستحقة ، والثاني يدل على أنه قد يحسن منه تعالى أن يفعل الآلام للنفع ، وأنه لا يمتنع في هذه الآلام أن تكون واقعة على هذا الوجه . وكلاهما سواء في بطلان قول أصحاب التناسخ ، وإن كنا بالطريقة الأولى نعلم من حال هذه الآلام أنها واقعة للنفع لا للاستحقاق ، ونعرف أحكامها بذلك ، ولا نعرف هذا الوجه بالطريقة الثانية . فمما يدل على أن هذه الآلام ليست مستحقة أنه كان يجب أن يحسن منا في كل من لحقته هذه الأمراض والأسقام والآفات أن نلعنه ونتبرأ منه ونذمه ونستخف به ، لأن من حق العقوبات أن تحسن مقارنة هذه الأمور لها . ألا ترى أن الّذي نفعله بالمصر من الحدود لما كان عقوبة حسن ذمه ولعنه ؛ ولما كان المفعول بالتائب عنه « 1 » لم يحسن ذلك فيه . وقد علمنا أن ذلك يقبح منا في الأطفال والبهائم ، فيجب القطع على أنها مفعولة للنفع على ما قدمناه . فإن قال : إنما يجب ذلك فيمن يفعل نفس الألم ، لأنه يعلمه مستحقا فيوقعه على وجه الاستخفاف والإهانة ، وليس كذلك حال غيره . فلذلك لم يحسن

--> ( 1 ) لعله يقصد عنها أي عن المعصية المشار إليها ضمنا في كلمة الحدود .