القاضي عبد الجبار الهمذاني

402

المغني في أبواب التوحيد والعدل

حدّ العوض المبلغ الّذي ذكرناه من حيث تختلف أحوال العقلاء فيما يختارون من الألم لأجل العوض ؛ فلا بد من أن ينتهى إلى حد تزول فيه الشبهة واللبس . وهذا يوجب صحة ما ذكرناه من التفرقة بين ما نفعله بأنفسنا ومن ندبر أمره وبين ما نفعله بالعاقل . والّذي سلكناه في الجواب عن السؤال الأوّل هو المعتمد دون ما ذكر في الكتب من أنه تعالى تفارق حاله فيما يفعله من الآلام لحالنا من حيث يقدر على العوض دوننا ، ومن / حيث هو متفضل بالنعم على هذا العبد دوننا ، إلى غير ذلك ؛ لأننا قد بينا أن كل هذه الوجوه لا معتبر بها في هذا الباب . ألا ترى أنه تعالى وإن كان هو المنعم على العبد ، فلا يخرج من أن يقبح منه الألم إلا للعوض ، كما يقبح من أحدنا ذلك . وقد بينا أنه لا فرق بين سلب ثوب ملكناه زيدا وبين سلب زيد ما لم يملكه في أنهما لا يحسنان إلا على وجه واحد . وقد بينا أن الألم بمنزلة أمر زائد على ما يديمه من الإنعام والتفضل ؛ فليس لأحد أن يقول إنه يحسن منه تعالى ذلك لهذه العلة دون العوض . وقد بينا أن أحدنا قد يقدر على العوض إذا عجله وحصله ، وقد ينتهى قدره إلى حد يعلم أنه عوض له . وإذا صح ذلك فالواجب أن يسوى بين الشاهد والغائب في أنه يحسن من أحدنا أن يؤلم للعوض كما يحسن من القديم تعالى إذا صارت الحال واحدة على ما قدّمنا ذكره . فإن قال : إن كان لا يحسن منه تعالى أن لا يفعل الألم إلا للعوض على ما ذكرتم ، فيجب بحصول العوض أن يحسن الألم ، وهذا يوجب في الظلم الّذي يستحق به المظلوم العوض على الظالم أن يكون حسنا . قيل له : قد بينا من قبل أنه إنما يحسن متى كان مفعولا لأجل النفع العائد على المؤلم ، وبينا أنه إنما يحسن متى كان عظيم القدر . فكلا الوجهين غير حاصل في الظلم .