القاضي عبد الجبار الهمذاني
399
المغني في أبواب التوحيد والعدل
القول فيما يتضمنه « 1 » تعالى من الأعواض . وإذا حسن منه تعالى تكليف الشاق متى عرض المكلف به للثواب ، فما الّذي يمنع من أن يحسن منه تعالى الآلام بتضمن الأعواض على الحد الّذي ذكرناه ؟ فإن قال : لو فعل تعالى الألم لأجل العوض لوجب أن يوفر / العوض عليه في الحال وكان لا يحسن تأخيره ؛ لأن الّذي لأجله يحسن تأخير الثواب هو أنه لو عجل لعاد بالنقص « 2 » على التكليف ؛ وليس كذلك حال العوض لأنه يصح أن يجامع التكليف . فلما علمنا أنه تعالى لا يعوض في الحال ، دل على أنه لا يفعل الآلام لأجل الأعواض . قيل له : إنه تعالى مدبر للعبد لأنه أعرف بمصالحه منه بمصالح نفسه فيما يقدم ويؤخر . وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في المعلوم أن تأخير العوض أصلح له إما لأمر يرجع إلى التكليف أو إلى غيره ، فيحسن منه تعالى أن يؤخره متى لم يحصل هناك عوض يؤخر تعالى توفيره لأجله فليس لتأخيره معنى . لكن ذلك غير معلوم ، وصار حال مستحق العوض مع القديم تعالى ، على ما ذكرناه كحال ولى اليتيم في تدبيره له ؛ لأنه قد يعلم في كثير من الديون التي يستحقها أن الأولى تأخير قبضها لبعض العلل . وكذلك ما ذكرناه . وهذا السؤال إنما يتم على مذهب من يقول بانقطاع العوض . فأما على القول بأنه يدوم فالتأخير فيه واجب وفعله معجلا ممتنع . وإذا جاز أن يتأخر ما يتأخر منه ، لم يمتنع فيما يستحق مقدما أن يؤخر أيضا لبعض العلل . فإن قيل : فيجب أن يحسن منا في الشاهد أن نؤلم غيرنا للأعواض كما حسن منه تعالى ، وقد ثبت قبح ذلك ، لأن أحدنا لو آلم البالغ وقصد بذلك أن يعوضه
--> ( 1 ) هكذا يستعمل كلمة « يتضمن » ويقصد بها يضمن . ( 2 ) غير منقوطة ولعلها بالنقض بالضاد .