القاضي عبد الجبار الهمذاني

400

المغني في أبواب التوحيد والعدل

لقبح منه ، فيجب أن يقبح من اللّه تعالى ذلك ، وإلا فقول المجبرة لازم لكم : وهو أن ما يقبح منا يحسن مثله من القديم تعالى . قيل له : قد بينا من قبل أنه تعالى يفعل الآلام للوجه الّذي لها وجبت ، وهو كونها مصلحة واعتبارا وأنه يتضمن العوض مع ذلك ، وذلك لا يتأتى في أحدنا ، لأن فيما يفعله من الآلام بغيره لا يعلم أن هذا حاله ، فكيف يلزم على ما قدمناه ؟ فإن قال : قد ثبت في الواحد منا أنه يحسن منه أن / يؤلم نفسه وغيره للنفع فقط ، وأنه لا يحتاج في حسن ذلك إلى أمر زائد لأنه لا يصل إلى المنافع إلا بذلك ؛ فصار حسن ذلك منه لهذا الوجه الواحد بمنزلة حسن الآلام من القديم تعالى للوجهين اللذين ذكرتموها . فيجب أن يحسن من أحدنا أن يفعل هذه الآلام بالبالغين للعوض فقط ، وإن كان من القديم سبحانه لا يحسن إلا لذلك مع الاعتبار . قيل له : إن الّذي ذكرته من حسن الألم منا لهذا الوجه الواحد صحيح ولا يمنع من صحة الجواب والانفصال « 1 » ؛ لأنا قد بنيا بذلك أن لا يلزم أنه يحسن من العبد أن يؤلم غيره بمثل ماله حسن من القديم تعالى هذا الوجه ، ولم ننكر أن يسألنا سائل عن هذه المسألة من وجه آخر فيلزم تكلف جوابه . والجواب فيما ذكرته أن أحدنا لا يعلم من أحوال العوض الّذي يستحق بالألم ما يعلمه تعالى ، ولا يقدر عليه كقدرته تعالى ، لأنه تعالى إذا آلم العبد فهو عالم بقدر ما يستحق عليه من العوض ، وهو قادر على أن يوفره عليه . والواحد منا لا يعلم قدر ذلك ، ولا في مقدوره أن يوفره عليه . فلذلك لم يحسن منه أن يؤلم غيره كما حسن من القديم تعالى ذلك . فإن قال : فلو أن أحدنا قدم العوض وحصله لمن يريد أن يؤلمه ؛ أكان يحسن منه أن يؤلمه لأجله ؟ قيل له : إذا علم أنه قد بلغ القدر الّذي يكون عوضا له لا محالة فلذلك يحسن منه .

--> ( 1 ) أي بين المسألتين .