القاضي عبد الجبار الهمذاني

379

المغني في أبواب التوحيد والعدل

لنفعه . والّذي ذكرناه أنه في حكم المباح أن يكون الألم مفعولا به لاستحقاق يرجع إليه ، ولنفع يعود عليه . وأما إذا كان النفع على غيره يعود فمما لم نكره . فإن قيل : أفيصح من جهة العقل أن تعلموا أن الألم الواقع من جهته تعالى في دار الدنيا يحسن للنفع من دون أن تبينوا أنه لم يفعله تعالى على وجه الاستحقاق ؟ أوّلا يتم ذلك إلا بأن تنفوا كونه مستحقا ؟ فإن قلتم إن ذلك يتم ، مع قولكم إن كل واحد من هذين الوجهين كصاحبه في أن الألم يحسن لأجله الظلم ، وذلك لأنكم لستم بأن تقولوا إنه حسن للنفع بأولى من أن نقول إنه إنما حسن للاستحقاق . وإن قلتم إن ذلك لا يتم ، فكيف السبيل لكم إلى القطع في هذه الآلام الواقعة في حال التكليف أنه فعلها تعالى للعوض ، وأنها للنفع حسنت دون أن تحسن للاستحقاق على ما ذهب إليه أهل التناسخ ؟ قيل له : إنه لا مزية لأحد الوجهين على الآخر إلا من جهة الدليل . فمتى علمنا أنه واقع للاستحقاق ثبت أنه للنفع ، ومتى صح بالدليل أنه مفعول للنفع ، بطل القول أنه واقع على جهة الاستحقاق . ونحن ندل على أن هذه الآلام مستحقة . فثبت عند ذلك ما نقوله من أنه تعالى يفعلها للنفع . وإنما غلط هؤلاء القوم « 1 » من حيث اعتقدوا أن الآلام لا تحسن إلا للاستحقاق فقط ، فطالبوا في هذه الآلام الواقعة من قبله تعالى وجها تحسن لأجله لأنه تعالى لا يفعل القبيح عندهم ، فألجأهم ذلك إلى القول بأن كل ألم « 2 » يستحق العقوبة ؛ ورأوا أن في المؤلمين من ليس بصفة المكلف ، فاعتقدوا لذلك أن المعصية قد وقعت منه وهو بخلاف هذه الصورة ثم نسخ إلى هذه الصورة ، فقالوا بالتناسخ لأجل ذلك ، وأدتهم هذه المقالة إلى أن المكلف الحي ليس هو الشخص ، لكنه معنى فيه ينتقل / في الأشخاص

--> ( 1 ) المقصود أهل التناسخ . ( 2 ) في الأصل كل من لم .