القاضي عبد الجبار الهمذاني
378
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إنما نقول ذلك في كل فعل يختص بوجهين يجريان فيه مجرى تغاير الفعلين . فنقول : لو فعله تعالى على أحدهما لكان في حكم العبث من حيث وقع على وجه آخر قد كان يصح منه سبحانه أن يفعله لأجله . وذلك لا يستقيم إلا فيما يمكن ذلك فيه دون ما يتعذر . ألا ترى أنا نقول إنه تعالى فيما يخلقه في الدنيا أنه يجب أن يكون فاعلا له لوجه الانتفاع والاعتبار ، ولا نقول ذلك فيما يفعله تعالى في الجنة ، لأن مع زوال التكليف لا يصح الاعتبار ؟ وإذا ثبت ذلك وكان الألم الواقع بالحي منا قد يجوز أن يتعذر فيه وجه الاستحقاق بأن لا يكون قد تقدم منه ما أوجب ذلك ، فيجب أن يحسن منه تعالى فعله « 1 » للنفع . وقد يصح أيضا فيما يفعله من الألم بالمعاقب أن لا يصح فيه طريقة النفع ، فيحسن منه تعالى لأجل العقوبة فقط . هذا لو لم يتناف الوجهان . فكيف وهما في حكم المتنافيين ؟ لأن المستحق « 2 » من حقه أن يقع على خلاف الوجه الّذي يقع عليه ما يفعل للمنفعة لوجوه ترجع إلى المفعول به أو إلى الفاعل ، أو إلى إثبات التكليف أو عدمه على ما نبينه . وإذا ثبت ذلك بطل القول بأنه سبحانه يفعل الألم لكل واحد « 3 » من هذين الوجهين . وليس لأحد أن يقول : ألستم في الحدود المفعولة بالمضرة [ تقولون « 4 » ] إنه يفعل للوجهين ولولا ذلك لما حسن منه تعالى تقديمهما في حال التكليف . وذلك لأنا في هذه الحدود / إنها مستحقة ، وأن المفعول به ذلك لا يستحق نفعا ، وإنما يكون صلاحا له في أمور دنياه ، أو صلاحا لغيره من غير أن يكون مفعولا
--> ( 1 ) أي فعل الألم . ( 2 ) أي الشيء المستحق كالعقاب . ( 3 ) أي لكل واحد على حده . ( 4 ) ساقطة .