القاضي عبد الجبار الهمذاني
370
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قيل : يحسن منه فعل هذا الضرر لدفع ذلك الضرر . قيل له : إن ذلك العبد لا يخلو فيما يفعله من الضرر من أن يكون ظالما أو عادلا . فإن كان عادلا ، لم يحسن منعه من ذلك ولا ما يجرى مجرى المنع . وإن كان ظالما ، فليس يخلو من أن يكون مكلفا أو غير مكلف . فإن كان غير مكلف ، فواجب عليه تعالى أن يمنعه من ذلك إذا كان غرضه بالضرر الأول أن لا يقع هذا الضرر ، ولا يكون لتقديم هذا الضرر معنى . وإن كان مكلفا فمنعه من الظلم لا يحسن مع تقديم التكليف . فلا يصح أن يقال إنه تعالى فعل الضرر الأول لكي لا يقع هذا الضرر . فإن قال : عنيت بذلك أنه متى وقع ذلك من قبله تعالى ، لم يختر هذا المكلف القبيح الّذي هو الظلم ؛ وإذا لم يفعله اختاره ، فحسن لهذا الوجه . قيل له : هذا هو اللطف الّذي قد بينا أنه يحسن منه تعالى أن يفعله ، لأنا قد دللنا على أنه تعالى يمرض زيدا لمصلحة عمرو كما يمرضه لمصلحة نفسه . وإذا صح ذلك عادت الحال فيه إلى أنه سبحانه فعله لنفع المكلف ، لأن عنده يكون أقرب إلى الامتناع من القبيح ، وذلك يؤديه إلى الثواب . يبين ذلك أنه تعالى لو علم أنه متى أمرض زيدا بضرر عظيم يترك عمرو الظلم اليسير به أو بغيره ، فواجب عليه تعالى أن يفعله ، ولو كان إنما يحسن ذلك لدفع المضرة لوجب أن يعتبر فيه أن يكون أعظم منه ، وأن يكون الواصل إليه واحدا . وبطلان ذلك يبين ما قلناه . فإن قال : إنه سبحانه بفعل الضرر من قبله لولاه كان سيفعله لا محالة . قيل له : ليس يخلو الضرر الثاني من أن يكون لولا الضرر الأول لكان صلاحا أو مستحقا . وقد علمنا أنه لا يجوز أن يكون مستحقا لولا الضرر الأول ؛ لأنه