القاضي عبد الجبار الهمذاني
369
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في أنه لا يحسن منه تعالى أن يفعل الألم لدفع ضرر أعظم منه أو للظن ، وأنه إنما يفعله للنفع أو الاستحقاق اعلم أن الظن لا يجوز على اللّه تعالى من حيث كان عالما لذاته . فلا معلوم إلا ويعلمه على كل وجه يصح أن يعلم عليه . وإذا ثبت ذلك استحالت عليه الظنون كما تستحيل على أحدنا فيما يعلمه على وجه مخصوص أن يظنه على ذلك الوجه أو على خلافه . وهذا معلوم ظاهر قبل أن نتكلم في علته ، لأنه سواء قيل فيه إن الظن يضاد العلم أو إنه في حكم المضاد له في وجوب ما ذكرناه . وإذا صح ذلك لم يجز فيما يفعله تعالى من الآلام أن يقال إنها تحسن منه على الوجه الّذي يحسن منا لأجل الظن لنفع أو دفع مضرة أو استحقاق . وهذا الوجه مما لا شبهة فيه . وأما فعله تعالى الآلام لدفع مضرة عن العبد فليس يحسن أيضا ؛ لأن هذا الوجه إنما يحسن متى كان الألم المدفوع لا من فعل الدافع ولا يتمكن من إزالته باختياره ، فيدفعه بتحمل المضرة . وقد علمنا أن هذه الطريقة لا تصح فيما يفعله تعالى « 1 » . فيجب أن لا يحسن منه أن يضر بالعبد لأجله ، كما لا يحسن من أحدنا أن يضر بنفسه ليدفع ضررا يمكنه أن يفعله وأن لا يفعله . فإن قال : إنه تعالى يفعل الضرر لدفع ضرر من قبل غيره . قيل له : إنه تعالى قادر في المستقبل على صفة من ذلك الضرر ، فلا معنى لأن يفعل من الإضرار به متى فعل هو هذا الضرر ، ومتى لم يفعله لا يمتنع من ذلك .
--> ( 1 ) أي يفعله من أجل العبد .