القاضي عبد الجبار الهمذاني

36

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قيل : وما تلك الصفة التي لأجلها بيان اللطف ؟ قيل له : إذا علم تعالى أن المكلف عند هذا الفعل يؤدّى الواجبات العقلية ولولاها لم يؤدّها ، وجب أن يعرف ذلك من حاله من حيث يجب وجوبه . فلو كان في الأفعال ما يقوم مقامه في كونه لطفا ، لكان إنما يقوم مقامه بأن يعلم من حاله أنه إن فعل بدلا من هذا الفعل المخصوص ، دعا المكلف إلى أن يؤدّى الواجبات العقلية على الوجه الّذي يدعو فعله لهذا . وإذا كان إنما يقوم مقامه على هذا الوجه ، فقد ثبت أن حاله في الوجه الّذي يجب لأجله عليه ، وفي الوجه الّذي يجب عليه يجب على المكلف تعريفه ، كحال الآخر . فلا يجوز أن يخص بذلك أحدهما دون الآخر . وعلى هذه الطريقة خيّر تعالى بين الأفعال في كبير العبادات كما تساوت في الوجه الّذي ذكرناه . فلو كان غيرها يجرى هذا المجرى ، لوجب أن يقع التخيير فيها على الحد الّذي وقع في هذه العبادات ، فوجب بعضها على وجه التضييق . فإن قال : فيجب على هذا الموضوع القول بأن كل لطف من العبد لا يكون إلا واجبا ، وليس هذا من قولكم ؛ لأن في الألطاف ما يكون نفلا ، كالنوافل الشرعية . قيل له : إن الطاعة إذا علم من حالها أنها « 1 » يختار عندها المكلف بعض الواجبات العقلية أو الشرعية - ولولاها كان لا يختار - فلا بد من القول بوجوبها . فأما إذا كانت لا تؤثر هذا التأثير - لكنها تسهّل فعل الفرض وتزيد في دواعيه ، من غير أن يعلم ذلك من حالته ، وجب أن تكون نافلة ؛ فيجب موقعها في كونها لطفا يختلف التعبد بها .

--> ( 1 ) في الأصل أنه ، والمراد بالطاعة فعل الطاعة ، أي العمل الّذي يطيع العبد فيه .