القاضي عبد الجبار الهمذاني

37

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : فيجب أن تقطعوا فيما يكون لطفا من فعل العبد ، أنه لا يكون إلا واجبا أو ندبا . قيل له : كذلك نقول ، لأنه لا يجوز أن يعلم / أن بعض أفعاله لطف « 1 » في بعض ، إلا على أحد الوجهين الذين ذكرناهما ( ليكون ) إما واجبا وإما ندبا . فإن قال : أفتبين من قولكم إن ذبح البهائم من المباح ؟ وتقولون إنه لطف ، وإنه لولا كونه لطفا لما حسن منه تعالى إباحته ، وتجعلون وجه حسن إباحته كونه لطفا ، كما تجعلون وجه وجوب الصلاة كونها لطفا . قيل له : كذلك نقول ، ولا ينقض ذلك ما قدمناه ، لأن الّذي عقدنا الباب عليه أن كل فعل يقع من المكلف ويكون لطفا في أفعاله ، فلا بد من أن يكون واجبا وإما ندبا . فأما إذا كان ما يفعله لطفا في فعل غيره ، فغير ممتنع أن يكون مباحا ؛ لأنه لا يجب على زيد أن يفعل ما هو مصلحة لعمرو ، وإن وجب عليه أن يفعل ما هو مصلحة له . لأن الّذي يكون لطفا له من فعله إذا كان عنده يختار الواجب ، فقد صار متضمنا لأمرين : أحدهما اجتلاب منفعة ، والآخر دفع مضرة من يسلم عنده من العقوبة ، فيلزمه الإقدام على ذلك الفعل ، كما يلزمه دفع المضار عن نفسه . وكذلك ما يكون لطفا على الوجه الآخر . وإنما يكون ندبا لأنه يلتمس به مصالح نفسه . ويحسن من الإنسان أن يجتلب المنافع بفعل يفعله ، ويحصل له لأجل هذه الصفة حكم زائد على حسنه . وليس كذلك ما يكون من فعله لطفا لغيره ، لأنه لا يجب عليه دفع المضار عن غيره ، ولا يندب إلى اجتلاب المنافع لغيره ما لم يحصل له بها

--> ( 1 ) في الأصل : « لطفا » .