القاضي عبد الجبار الهمذاني
356
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد ، فإن الأمر لو كان كما ذكرتم لم يجب القضاء بقبحه ؛ لأنا قد نعلم فيما يدفع إليه ويلجئ إليه أنه قد يحسن ، كما قد نعلم في بعضه أنه يقبح . فكيف يصح أن نجعل كون الضرر ملجأ إليه علامة لكونه قبيحا ؛ بل لو جعل علامة لحسنه ، كان أقرب ، لأنا قد بينا في باب الإلجاء أنه أوكد من الايجاب . وإذا لم يصح في الواجب أن يكون قبيحا ، فبأن لا يصح فيما يلجأ إليه لبعض الأسباب أن يكون قبيحا أولى . فإن قال : لو حسن الفعل للظن لتأتي ذلك في كل قادر وفاعل ، فكان يجب أن يصح في أفعاله تعالى أن تحسن لأجل الظن ، وفساد ذلك يبطل ما ذكرتم . قيل له : إذا جاز أن يحسن الضرر لأجل النفع ودفع الضرر ولا يتأتى ذلك فيه تعالى لاستحالة المنافع والمضار عليه ، فكذلك القول في الظن ، لأنه يستحيل عليه كاستحالتها . فإن قال : إنه سبحانه وإن لم يحسن أن يفعل لنفع ودفع ضرر كالواحد منا فيما يخصه فإنه يصح أن يفعل ذلك لغيره للوجهين « 1 » ، فقد دخل هذا الوجه في أفعاله ، وليس كذلك حال الظن لأنه لا يتأتى فيه البتة . قيل له : إذا كان تحمل المضرة يحسن منا لنفع يعود علينا ، وللظن ، ولم يمتنع حسن ذلك ، وإن لم يصح فيه تعالى ، فما الّذي يمنع من أن يكون سبيل الظن في كل فعل في أنه لا يتأتى في أفعاله تعالى سبيل النفع الراجع إلينا ، في أنه لا يصح فيه تعالى . فحمل الظن على هذا النفع قد صح في إسقاط ما سألته ، وإن كان فيما يعود على الغير من النفع قد يصح فيه تعالى من حيث كان النفع معلوما له تعالى ، وإن كان يلحق غيره . ومع الظن لا يصح فيه من حيث كان عالما لذاته . فحاله في جميع الأفعال كحال أحدنا فيما يعلم من المضار
--> ( 1 ) المراد بالوجهين النفع ودفع المضرة .