القاضي عبد الجبار الهمذاني

346

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : إن قولكم في الألم إنه يحسن لكونه مستحقا يتناقض ، لأن معنى أنه مستحق هو أنه يحسن فعله ؛ فمتى قلتم يحسن لهذا الوجه ، فكأنكم قلتم يحسن لأنه حسن ، وهذا يتناقض « 1 » . قيل له : إن كونه مستحقا يتضمن في المعنى حسن فعله لا أنه يفيده تصريحه « 2 » . ومتى كان كذلك لم يتناقض ، كما لا يتناقض القول بأن شكر النعمة يحسن لأنه مستحق إلى غير ذلك . فإن قال : فما الّذي يفيده تصريحه ليصح أن يجعل كالعلة في حسنه ؟ قيل له : قد تقرر في العقول أن من حق الذم أن يكون مقابلا « 3 » للقبح « 4 » والإساءة على وجه يكون جزاء له . وأن من حق المدح أن يكون مقابلا للإحسان على هذا الحد . فلما ثبت ذلك عبرنا عنه بأنه مستحق ، وجعلنا ذلك كالعلة في أنه يحسن فعله إذا تقدم من المفعول به ، والسبب الّذي من حق هذا الفعل أن يتعلق به تعلق الجزاء . وإذا كان ما ذكرناه مفهوما لم يمتنع أن نجعله مقتضيا لحسنه على ما نذكره في الشكر ( في ) أنه يجب لمكان النعمة ، إلى غير ذلك . واعلم أن الضرر لا يحسن من فاعله أن يفعله إلا بأن يعلمه ، أو يكون في حكم العالم به لمثل ما قدمناه من العلة ؛ لأنه إذا كان كذلك « 5 » لم نأمن كونه ظلما فيقبح فعله . وإنما يخرج من أن يكون كذلك متى علم الفاعل بمكانه . ولا بد أيضا من أن يفعله لأجله « 6 » ؛ لأنه إن علمه مستحقا وفعله لأجل الاستحقاق كان ظلما بما فعل ولم يقع / موقع الاستحقاق .

--> ( 1 ) في الأصل متناقض . ( 2 ) في الأصل بصريحه . ( 3 ) المراء بالمقابلة هنا الموازاة . ( 4 ) في الأصل القبيح . ( 5 ) الأولى أن يقال إذا لم يكن كذلك ، أي إذا لم يكن معلوما . ( 6 ) أي لأجل الاستحقاق .