القاضي عبد الجبار الهمذاني
326
المغني في أبواب التوحيد والعدل
تختلف حالهم فيما يختارونه من المضرة لأجل قدر من المنفعة ، وفي ذلك إسقاط ما سأل عنه . فإن قال : لو حسن منه تحمل المضرة لأجل النفع ، لحسن منه ذلك في غيره ، فكان يحسن منه أن يلزم المستأجر عملا ليدفع إليه دينارا وإن كان لا ينتفع بذلك العمل البتة ؛ لأن ذلك يخرجه من أن يكون قد حصل فيه ما ذكرناه من النفع . قيل له : قد بينا من قبل أن حصول النفع فيه إنما يحسن به الفعل متى وقع على وجه تنتفى لأجله وجوه القبح عنه ؛ لأنه لا وجه للحسن يحسن لأجله على ما ذكرناه من قبل . وإذا صح ذلك وكان ما يختاره من المضرة في نفسه لأجل النفع ينبئ عن زوال وجوه القبح ؛ لأنه عند ذلك يخرج من كونه ظلما وعبثا ، فالواجب أن يحسن لأجله . وليس كذلك ما سألت عنه لأنه لم يخرج بما فيه من النفع عن كونه عبثا . فيجب أن لا يحسن إلا بعد أن يحصل فيه نفع لغيره أو له ، فيخرج بذلك من كونه عبثا ، كما يخرج بإيصال الأجرة إليه من كونه ظلما ، وفي ذلك إبطال ما سأل عنه . فإن قال : ما أنكرتم أن هذا الضرر إنما حسن من العاقل أن يتحمله لأنه مستحق لا لأجل النفع الّذي فيه . قيل له : لو كان كما ذكرته لم / يحسن منه أن يفعله بنفسه ؛ لأن الضرر المستحق لا يحسن فيه ذلك . وقد علمنا أنه قد يحسن من العاقل ذلك ويكون ممدوحا عليه ؛ وذلك يبطل ما سألت عنه . وبعد فإنه قد يحسن تحمل ذلك ممن قد يقع منه ما يستحق به الضرر كالأنبياء والمؤمنين والصالحين . وكيف يقال إنما حسن ذلك منه لكونه مستحقا . على أنه