القاضي عبد الجبار الهمذاني
312
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في أن الضرر قد يقبح لأنه عبث وإن لم يكن ظلما يدل على ذلك أن غيره لو بذل له من نفسه أن يضربه على عوض يدفعه إليه هو أجدى عليه من ترك الضرر - ففعل به ذلك وعوضه - أن ذلك يقبح وإن لم يكن ظالما له ، لأن تعويضه عليه قد أخرجه من كونه ظالما . وإنما قبح منه ذلك لأنه عبث . وكذلك لو استأجره لما لا ينتفع به من صب الماء من جانب من البحر إلى جانب ووفر عليه الأجرة ، لكان يقبح منه ذلك لأنه عبث . ولو بذل له الغريق « 1 » أن يجذبه بيده وإن انكسرت فيخلصه بذلك من التلف بالغرق - ففعل ذلك - قبح منه ، لا لأنه ظلم ؛ لأنه دفع عنه المضرة العظيمة باليسير ، لكن لأنه عبث . وعلى هذا الوجه نقول : إنه تعالى لو آلم من غير اعتبار لكان قبيحا ؛ لا لأنه ظلم - لأنه بإيصاله العوض إلى المؤلم قد خرج من كونه ظلما - لكن لأنه كان يكون عبثا . فإن قال : إن الّذي ذكرتموه من المسائل مسلم ، لكن نخالف في أن وجه قبحه عبث ، فما الدليل على ذلك ؟ قيل له : لأنه لا وجه يعقل يقبح لأجله إلا ما ذكرناه . فوجب القضاء بقبحها لهذا الوجه ؛ لأن عند العلم بها قد ثبت العلم بقبحها « 2 » ، ولا وجه يعقل سواه . فإن قال : ما أنكرتم « 3 » لكونه ظلما ، وذلك إذا ضرّ به ثم / أوصل إليه العوض فوّت [ على « 4 » ] نفسه السرور بالشكر الّذي كان يستحقه لو أوصل ذلك إليه من غير
--> ( 1 ) هكذا : ولعل المقصود « ولو عرض الغريق على شخص شيئا من المال » . ( 2 ) في الأصل بقبحه . ( 3 ) « ما » هنا نافية : أي لم تنكروا . ( 4 ) ساقطة .