القاضي عبد الجبار الهمذاني

3

المغني في أبواب التوحيد والعدل

[ الجزء الثالث عشر ] [ الكلام في اللطف ] فصل في ذكر الخلاف في هذا الباب اعلم أن المحصل من الخلاف في ذلك بين المتكلمين هو أن فيهم من يقول : إنه تعالى متى مكن مما كلف سائر وجوه التمكين حتى صار العبد لو رام الفعل لأمكنه ، ولم يعترضه منع ولا ما يجرى مجراه ، فغير واجب عليه تعالى ، وإن علم أنه يختار الإيمان عند فعل منه « 1 » يفعله به أو بغيره ، أن يفعله ؛ بل هو متفضل به إن شاء فعله ، فيكون إنعامه على العبد أعظم ، وإن شاء لم يفعل . ولا يخرج التكليف من أن يكون حسنا ، ولا يكون تعالى غير فاعل لواجب . ويقولون : لا منزلة يبلغها العبد في الألطاف إلا وهو قادر على أعظم منها في كونها لطفا في القدر والصفة . فلو وجب عليه أن يفعل الأصلح في باب الدين لم يكن لما يجب من ذلك نهاية . ويقولون : لا مكلف إلا واللّه تعالى قادر على أن يلطف له فيما كلفه ؛ فلو وجب عليه تعالى أن يلطف لم يحصل في المكلفين عاص . ومنهم من يقول : إنه يفعل ما هو لطف لا محالة ، وإن لم يكن واجبا عليه أن يفعله ؛ لأن التكليف في أنه يقتضيه « 2 » عندهم بمنزلة الوعد في أنه يقتضي إيجاد ما وعد . ومنهم من يقول : إنه يجب عليه أن يفعل بالمكلف الألطاف ، وهو الّذي يذهب إليه أهل العدل ؛ حتى منعوا من أن يكون خلاف هذا القول قولا لأحد من مشايخهم . فذكروا أن بشر « 3 » بن المعتمر رجع عن هذه المقالة ، حكاه عنه

--> ( 1 ) أي من اللّه . ( 2 ) أي من حيث اقتضاؤه : يعنى يقتضي اللطف . ( 3 ) أبو سهل بشر بن المعتمر مؤسس مذهب المعتزلة البغداديين : توفى سنة 210 ه .