القاضي عبد الجبار الهمذاني
299
المغني في أبواب التوحيد والعدل
في ذلك ، وإن وافق فيه ولم يسمه ظلما ، ولا معتبر بذلك . وإن خالف فيه أديناه أن العلم بما هذا حاله قبيح ضروري « 1 » لا شبهة فيه على الجملة ، وإن صح دخول الشبهة فيه على التفصيل . وقد بينا أن خلافهم في العبارة خطأ أيضا : لأنه قد ثبت في هذا الفعل أنه يسمى ظلما ، وفاعله ظالما ؛ وعند وقوع الكثير منه ظلوما ؛ فيتصرف فيه تصرف الحقائق . فلا فرق بين من دفع « 2 » ذلك وبين من خالف في سائر الحقائق . وإنما التنبيه على من قال في حده إنه وضع الشيء في غير موضعه لما رأى أن ما ذكرناه وضع في غير موضعه ، ورأى في كل قبيح يقع من المكلف أنه ظلم له أو لغيره ، فسلك في حقيقة هذه الطريقة ، ولم يعلم أنها تنتقص ؛ لأن كثيرا من الأمور يوضع في غير موضعه ولا يسمى بذلك على ما قدمنا القول فيه . وعلى هذه الطريقة وصف أهل اللغة من لا يجوز أن يقال فيه إنه يصح فعله في موضعه أو في خلاف موضعه بذلك . فقالوا « أظلم من حية » لما كان يقع منها ما صفته ما ذكرناه . وقد بينا أن استعمالهم هذه اللفظة في السحابة إذا جادت في غير حينها مجاز « 3 » ؛ لأن الظلم عندهم كالنقيض للعدل ، ولا يستعمل ذلك في الحقيقة إلا في الفاعل المختار . كما لا يقال في الجماد مشى إلى ما شاكل ذلك . ولا يجوز أن يشترط في حد الظلم أن يكون مرادا ؛ لأن من شرط ذلك لا يخلو من أن يقول إن بهذا الشرط يقبح ، أو بهذا الشرط يكون ظلما ويسمى بذلك . وإن جعله شرطا في كونه
--> ( 1 ) أي قبيح بالضرورة . ( 2 ) أي من خالف فيه . ( 3 ) ومن استعمال كلمة الظلم مجازا قولهم ظلم الأرض أي حفرها في غير موضع حفرها ؛ وظلم البعير أي نحره من غير داء ، والوادي بلغ فيه الماء موضعا لم يكن بلغه من قبل الخ .