القاضي عبد الجبار الهمذاني
290
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إنا لا نسلم ما أصلته ، بل العاقل قد يتعرّض للألم كما قد يمتنع ، وقد يلتمسه كما يلتمس زواله ، وإنما يمتنع مما لا يعلم فيه أنه حسن . فأما إذا علم أنه مما يحسن لمنفعة ودفع مضرة ، حسن منه التعرّض له وربما وجب . فإن قال : لو خفى عليه الوجه الّذي له يقبح الألم ويحسن ، أليس كان الواجب عليه أن يمتنع منه ؟ فهلا صح ما ذكرته ؟ . قيل له : لأن من حق العاقل إذا علم في العقل الوجه الّذي له يقبح ، أو لم يأمن من حصول ذلك فيه أن يكون قبيحا منه - لأنه لا فرق بين ما يعلمه كذبا ، وبين ما لا يأمن ذلك فيه - وإذا صح ذلك وكان الألم متى لم يعلم فيه زوال وجوه القبح أن يكون قبيحا ، فواجب عليه الامتناع منه ؛ لأنه داخل في باب القبيح . وأما إذا علم زوال وجوه القبح عنه ، وحصل له فيه بعض الأغراض ، فيجب أن يكون حسنا وأن يكون له أن يتعرض له . فإن قال : قد يحسن / منه أن يمتنع من الألم المستحق وإن كان حسنا « 1 » ، فكيف يصح ما ذكرتموه ؟ . قيل له : إنما حكمنا بحسن التعرّض للآلام إذا كانت نفع باختياره ؛ فأما ما يفعله غيره ، فيجب أن ينظر فيه ، فإن كان لنفعه ودفع الضرر عنه بفعله ، حسن التعرّض له على بعض الوجوه ؛ وإن كان يفعله عقابا قبح منه ذلك وحسن منه الهرب ، لأنه وإن كان حسنا فلا فائدة له فيه ، فيصير تعرضه له والحال هذه في حكم العبث . وإن كان للفاعل فيه أن يفعله من حيث كان مستحقا - وذلك لا يمتنع ، كما لا يمتنع من المكره بالقتل إن لم يدفع المال « 2 » -
--> ( 1 ) أي حسنا لاستحقاقه . ( 2 ) أي الدية .