القاضي عبد الجبار الهمذاني

288

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل لهم « 1 » : إنما كان يصح ما ذكرتموه « 2 » لو كان لا يصح في القسمة إلا ما أوردتموه « 3 » . فأما إذا جاز أن يقال فيه إنه يقبح لأنه ظلم ويفارق ما فيه منفعة ودفع مضرة لهذا الوجه ، فمن أين يجب أن يكون قبيحا لذاته إذا بطل أن يكون كذلك لعلة . وبعد ، فيجب على ما قالوه إذا كان الظلم يستحق به الذم لا لمعنى يقارنه ، أن يكون وجوب ذلك / فيه لذاته وجنسه ؛ فيجب في كل ألم أن يشاركه في ذلك ، ويجب على هذه الطريقة إذا كان الظالم بأخذ دراهمه يحسن استرجاع ما أخذه منه ، أن يكون الأخذ لمثله ممن له عليه دين بمنزلته لمثل ما ذكروه « 4 » . واعلم أن الألم لو قبح لذاته وجنسه لوجب أن تقبح اللذة لأنها قد تكون من جنس الألم على ما بيناه من قبل . وذلك ينقض مذهب القوم . ولو قبح لجنسه وذاته ، لكان لا تعلق لقبح الفعل « 5 » بفاعله البتة . وفي علمنا بأن في القبائح ما يتغير حاله بمقاصده دلالة على فساد هذا القول . وقد علمنا أن تناول المأكول بعد الشبع من جنس تناوله قبله ، فكان يجب إذا قبح أحدهما أن يقبح الآخر ؛ وكان يجب في كل قبيح - على هذه الطريقة - أن يقبح لذاته وجنسه ، حتى يقبح الصدق على كل وجه إذا كان جنس الكذب ، وحتى يقبح المشي إلى ما ينفع كما يقبح إلى ما يضر . وفي ذلك قلب العقول ونقض مذاهب القوم . ولو كان الظلم يقبح لعلة لوجب أن لا يقبح لاستحالة العلل عليه ، لأنها لا تختص به ، من حيث يستحيل عليه الحلول وما يجرى مجراه ؟ .

--> ( 1 ) في الأصل له . ( 2 ) في الأصل ذكرته . ( 3 ) في الأصل أوردته . ( 4 ) أي لمثل الدراهم . ( 5 ) أي الفعل المؤلم .