القاضي عبد الجبار الهمذاني
281
المغني في أبواب التوحيد والعدل
بأن يكون العدد قليلا لا يمتنع عليهم جحد ما يعلمونه ، أو نتأوّل ذلك على وجه يصح عليه . فإذا فسد الوجه الأول ، لم يبق إلا هذا الوجهان . وعلى هذه الطريقة قلنا فيما أطلقته السوفسطائية من نفى الحقائق أن الواجب أن نتأول أنهم اعتقدوا في العلم أنه بمنزلة الظن لا أنهم نفوا المعلوم أو كونهم عالمين به على الحقيقة ، لما كان هذا الباب يدخل في الاستدلال ، ويصح الخلاف فيه دون الأول . وهذه طريقتنا فيما نحكى من المذاهب أجمع . وعلى هذا الوجه قلنا إن النصارى لا يجوز أن تعتقد ما تظهره من كون الواحد على الحقيقة ثلاثة . وإذا صحت هذه الجملة ، وعلمنا باضطرار أنه يحسن من العقلاء تحمل المشقة في طلب العلوم والآداب ، ويجب عليهم التحرز من الضرر اليسير كالهرب من سبع يخاف منه الافتراس ، ومن نار مقبلة يخشى منها الاحتراق ، ومن صئول ومهدد / بالسيف لا يؤمن منه القتل . وقد يجب على ( العليل الحجامة والفصد « 1 » ) عند الخوف الشديد من تركها . وقد يحسن في العقل إزالة ملك إلى ملك كعقود التجارات والمعاوضات كما يحسن منه « 2 » تناول الطعام والتنفس في الهواء عند الحاجة إلى غير ذلك مما يكثر ذكره . فكيف يجوز أن نصدقهم في أنهم يعتقدون قبح هذه الأمور ؟ فإن قيل : متى حصل « 3 » في الألم دفع مضرة أو اجتلاب نفع خرج من أن يكون ألما عندهم ، فلا يكون داخلا فيما حكموا بقبحه . قيل له : إن كان هذا مرادهم ، فالذي قالوه يجوز أن يعتقد ويكونوا مخطئين في ظنهم أن النفع ودفع المضرة يخرج بهما الألم من أن يكون ألما في الحقيقة ، ويكون هذا القول في أنه لا يجوز اعتقاده كالأول ، إلا أن يريدوا بذلك إنه لا يسمى ألما تساهلا « 4 » في العبارات .
--> ( 1 ) غير واضح في الأصل . ( 2 ) أي من الإنسان . ( 3 ) في الأصل حصلت . ( 4 ) في الأصل تجاهلا .