القاضي عبد الجبار الهمذاني
242
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إنا مع الاستدلال على أن نقض العادات لا يجوز إلا في أزمان الأنبياء لا نجوّز ذلك . وأما من لم يستدل فإنه يجوزه يبين ذلك أن أهل بلد بعيد لو لم يعتد أحد منهم الجرب ، كان لا يجب أن لا يجوز في هذا القدر من التقطيع أن يألم به ، بل كان يجوز أن يلتذ به وإن لم يجرّ به . فكذلك لا يمتنع عندنا وإن لم يجد الالتذاذ بالتقطيع الحاصل في كل صفائح يده أن يمنع من تجويز ذلك . يبين ذلك أن أحدنا لا يجوز من جهة العادة في أهل بلد أن لا يلحقهم جوع ولا شبع ولا يوجب ذلك أن يكون هذا الباب واجبا في كل حي ؛ لأنا قد عرفنا أن ذلك لا توجبه الحياة ولا سائر ما لا ينفك الحي منه . ولذلك جاز في الملائكة وإن كانوا أحياء بحياة أن لا يطعموا ولا يشربوا . وكذلك القول فيما ذكرناه . وذلك يبين أن كون الحي منا ألما وملتذا بجميع ما يدركه ليس من الواجبات كما يجب كونه مدركا وأن ذلك طريقه العادة ، فلذلك اختلفت « 1 » أحوال الأحياء فيه ، وإن اتفقوا في كونهم أحياء بحياة ، وفي سلامة الحواس . وقد بينا في غير موضع أن نفور الطبع لا يتعلق بالتقطيع نفسه ، وإنما يتعلق بما يحدث عنه . فلا يمتنع في ذلك أن يشتهيه كما لا يمتنع أن ينفر طبعه عنه ، وإن استبعد في العادة ذلك من حيث علم كل أحد من نفسه متى قطع يده إربا إربا أنه يؤلمه لا محاولة ، كما يعلم أنه متى أكل ما اعتاده أنه شبع ومتى شرب الماء روى . وإذا جاز خلاف ذلك في الطعام والشراب ، فما الّذي يمنع من خلافه فيما ذكرناه ، حتى تحدث في الإنسان الشهوة للمعنى الحادث عند تقطيع / يده ، ويكون ملتذا بذلك .
--> ( 1 ) في الأصل اختلف .