القاضي عبد الجبار الهمذاني
240
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وأما وجوب كونه ألما فالاضطرار فيه زائل . بل لو قيل إنا لا نعلم باضطرار أن الحي متى قطع إربا إربا أنه يدرك يصح أيضا ، لأن الكلام في أن الحياة تقتضى لجنسها الإدراك طريقه الاستدلال ، ولذلك اختلف العلماء فيه . وكذلك فالعلم بأن الحي منا يدرك من غير حدوث إدراك « 1 » طريقه الاستدلال . ولذلك جوز « 2 » كثير من العلماء مع السلامة « 3 » أن لا يوجد الإدراك فلا يحصل الحي منا مدركا . فإذا لم يمكن ادعاء الضرورة في هذا الباب ، فكيف يمكن ادعاء ذلك فيما هو كالتابع له ؟ لأن العلم بأنه يجب أن يألم بما يدرك تابع للعلم بأنه يجب أن يدرك . وقد بينا من قبل أن ما يجرى مجرى التعليل لا يعلم باضطرار وإنما يعلم ما يجرى مجرى الحكم فيه . وقد علمنا أن الّذي يحل هذا المحل هو أنا نجد من أنفسنا أنا نألم عند التقطيع الحادث في جسمنا ، وأنا « 4 » ندرك هذه الأمور . وأما العلم بأن ذلك واجب ، فإنما يتبع ما يجرى مجرى التعليل ؛ لأنه ما لم يعلم أن الوجه الّذي لأجله أدركناه وعلمنا به مما لا يجوز أن ينفك الحي منا عنه ، لم يصح العلم بذلك / فكيف يدعى الاضطرار فيما هذا حاله ؟ فإن قال : ألستم قد قلتم إن أحدنا لو جوّز مع سلامة الأحوال أن يدرك وأن لا يدرك لأوجب ذلك التشكك في المشاهدات ، فكذلك يجب لو جوزنا أن يألم وأن لا يألم مع تقطيع أوصاله أن لا يفرق أحدنا بين حاله وهو ألم وبين حاله وهو غير ألم ، وأن لا يعرف مقادير الآلام في جسمه ، وذلك يوجب القول بأنه متى وجد الألم فيجب أن نألم به .
--> ( 1 ) أي من غير حدوث إدراك أنه يدرك . ( 2 ) في الأصل جوزوا . ( 3 ) أي مع سلامة الجسم . ( 4 ) في الأصل وإنما .