القاضي عبد الجبار الهمذاني

239

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أو أن يكون ألما به لأنه أدركه فقط ، فكان يجب وإن اشتهاه أن يألم به ، وأن يكون القديم تعالى آلما لأنه مدرك له « 1 » لا بآلة كما يدرك الحرارة لا بآلة ، ويكون آلما به لأنه أدركه وهو نافر الطبع عنه . ولو كان كذلك لوجب في كل حادث منه أن يصح أن يشتهيه كما يصح أن ينفر طبعه ، وأن يصح أن يحدث فلا يشتهيه ولا ينفر طبعه عنه . وهذا يؤدى إلى تجويز أن يقطع إربا إربا فلا يألم بأن لم يحصل فيه نفوز الطبع عن ذلك . ويؤدى إلى أن يجوز أن يلتذ بذلك ، وفساده معلوم باضطرار ، فيجب بطلان هذا القول بأن الألم جنس سوى التقطيع . قيل له : إنا لا ننكر ما أوردته من أنه لا يألم بالألم من حيث أوجب به حالا كالإرادة ؛ ولا ننكر ما ذكرته من أنه لا يألم لإدراكه الألم فقط ؛ والّذي ننكره ما طعنت / به في الوجه الثالث ، وهو أنه يألم لإدراكه له مع نفور الطبع ، لأنه لا يحب متى صح ، أن يألم به . بل قد يصح عندنا أن يألم مرة ولا يألم به أخرى وأن أدركه في الحالتين . فإن قال : فيجب أن تجوزوا بقطع أعضائه وأوصاله وإن لم يألم . قيل له : إذا كان إنما يألم لنفور الطبع عن الحادث ، لا لجنسه ولا لإدراكه فقط ؛ ولم يثبت في نفور الطبع أمر يوجب أن لا يخلو الحي منه إذا كان حيا بحياة « 2 » ، فيجب تجويز ما سألت عنه . فإن قال : إن ذلك يخالف ما نعلمه ضرورة . قيل له : إن الّذي يعلم باضطرار « 3 » هو ما به ينفصل الحي من غيره وهو الإدراك « 4 » ؛ فكأنا نعلم أن الحي إذا قطعت أوصاله وأبعاضه فإنه يدرك ما يحدث من المعاني .

--> ( 1 ) أي للألم . ( 2 ) هكذا في الأصل ! ولا داعى لذكر « بحياة » . ( 3 ) أي علما ضرور يا بديهيا . ( 4 ) يظهر أنه يستعمل كلمة الإدراك هنا بمعنى الإحساس .