القاضي عبد الجبار الهمذاني
230
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يرده إلى المدرك . فإذا حصل الشيء مدركا فالواجب في إثباته أن يكون أصلا وأن يستغنى عن دليل . ولهذه الجملة لم يحتج في إثبات السواد إلى دليل وإن احتجنا إلى ضرب من التأمل في كونه غير المحل « 1 » . فإذا صحت هذه الجملة وقد علمنا أنا نجد في أبعاضنا الآلام على حد ما نجد في الأجسام الحرارة والبرودة ، بل أوضح منها ، فيجب إثبات معنى مدرك . وقد علمنا أنه لا يجوز في ذلك المعنى أن يكون نفس الجسم وسائر ما يحدث من تفريق واعتماد « 2 » وغيرهما ، فيجب إثباته جنسا مدركا مخالفا لسائر الأعراض . فإن قال : إنما نفصل المرء « 3 » بين حاله وقد تفرقت أبعاضه وخرجت عن حد الاعتدال والصحة وبين خلاف ذلك . وأما أن يدرك في أبعاضه معنى حادثا فلا دليل عليه ؛ لأن الواجب فيما ذكرتم أن نبين وجه الفصل فيما نجده وقد أوجدناكم « 4 » ذلك . قيل له : قد بينا سقوط هذا القول بأن قلنا إنه لا بدّ من إثبات معنى مدرك بحصول طريقة الإدراك ، فلو لم يكن للإدراك إليه طريق ، فكان يجب أن نفصل بين محل الألم وبين المفترق من أبعاضه وبين المجتمع فقط ؛ وقد علمنا أن الأمر بخلافه .
--> ( 1 ) « المحل ما يقوم به العرض » . ( 2 ) « الاعتماد » أحد نوعي الحركة : فالحركة إما حركة نقله أو حركة اعتماد . وحركة الاعتماد هي حركة مقاومة الجسم ضد عامل خارجي يخرجه عن حيزه الطبيعي . فالأجسام كلها في حركة اعتماد بهذه المعنى . وأول من تكلم في حركة الاعتماد من المسلمين النظام ، وهو متأثر في ذلك بأرسطو والرواقيين : لأن الاعتماد عند أرسطو نوع من السكون نتيجة التفاعل بين الجسم وقوة خارجة عنه ، ومعناها عند الرواقيين المقاومة بين جسمين وقد استغل النظام فكرة الاعتماد في تفسيره للكمون ، فإن هذه الحركة بمثابة الدافع الذاتي الّذي يدفع بالصفات الكامنة في الأجسام إلى الظهور وإخراج الخواص العنصر إلى الوجود . ( 3 ) في الأصل المر بدون همزه . ( 4 ) هكذا في الأصل .