القاضي عبد الجبار الهمذاني

222

المغني في أبواب التوحيد والعدل

واعلم أنا قدمنا من قبل أن كل ما كان له حظ في التمكين لا مدخل له في المفسدة ؛ وقد بينا أن حقيقتها « 1 » تقضى « 2 » بعدم التمكين لها ؛ فإذا صح ذلك ، وقد علمنا أن تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه في ادّعائه النبوّة وإظهاره الشريعة لا يصح إلا بعد بعثته وادّعائه وظهور المعجز عليه ، فهو إذن تمكين . وكذلك فإن محاربته على النبوّة لا تصح إلا بعد البعثة ، فهو تمكين / أيضا من ذلك ؛ فكما يحسن منه تعالى تكليف من يعلم أنه يكفر ، فكذلك يحسن منه تكليف السؤال من يعلم أنه يكفر بها « 3 » ويكذب . فإن قال : فأنتم تقولون إن النبي صلّى اللّه عليه لم يبعث إلى أحد إلا وشريعته لطف له ، فكيف يصح ما ذكرتم ؟ قيل له : إنا لا ننكر كون ذلك لطفا في غيره من العبادات لأنه لو قام بذلك لصلح فيما كلفه عقلا ، لكنه لما لم يقم به فسد في الأمرين وأتى من نفسه فيهما . وقد بينا من قبل أن اللطف من فعل العبد لا يجب أن يجبر عليه ، بل متى مكن منه كفى . وكذلك القول في المفسدة من فعله أنه لا يجب أن يمنع منها ، وإنما يجب أن يمكن من تركها ؛ وفي ذلك إسقاط هذه المسألة ونظائرها . شبهة أخرى قالوا قد علم كل عاقل أن تعريف المكلف أنه من أهل الجنة يجرى مجرى المفسدة لأنه عند ذلك يأمن أن يموت على معصية ، فيكون أقرب إلى أن يقدم

--> ( 1 ) أي المفسدة . ( 2 ) في الأصل تقتضى . ( 3 ) أي النبوّة .