القاضي عبد الجبار الهمذاني
219
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وأما قوله وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . فقد بينا من قبل الكلام فيه ؛ وكل ما في كتاب اللّه من هذا الباب ، فالجواب فيه على هذا النحو . وقد قدمنا ذكر ذلك في باب الإرادة أيضا فلا وجه للإكثار فيه . شبهة أخرى قالوا : لو كان اللطف واجبا لوجب - إذا كان بعض المكلفين يختار الإيمان عند شيء يختار الكفر عنده - أن يكون واجبا قبيحا ، أو أن يسقط وجوبه مع ثبات وجه الوجوب فيه ، أو أن يخرج عن القبيح وقد حصل وجه القبح فيه . وكل ذلك فاسد ، فيجب القضاء بأن اللطف غير واجب ؛ وهذا بعيد . لأنا لا نحكم بوجوب ما يحصل فيه بعض وجوه القبح ؛ لأن وجوب « 1 » الفعل يتضمن حسنه لأنه لا يصح أن يلزمه فعل ما ليس له أن يفعله ، ولا يجوز أن يجب عليه ما بفعله يستحق الذم وبأن لا يفعله يستحقه / أيضا ، لأنه يؤدى إلى أن لا يمكنه أن ينفك عن « 2 » الذم . وإذا ثبت ما قلناه لم يصح القضاء بإثبات ما سألت عنه ، بل بأن يكون قبيحا أولى ؛ لأنه قد تعرّى عن وجه الحسن والوجوب وحصل فيه وجه القبح ، وإذا ثبت ذلك فيمن « 3 » يعلم من حاله أنه لا يختار الإيمان إلا عند مثل هذا الفعل لا يحسن أن يكلف إلا بأن يفرد بالتكليف فلا يحصل في لطفه مفسدة ؛ وقد بينا هذا الكلام من قبل ، وذكرنا أن القائلين بالأصلح يوجبون ما هذا حاله إذا كان ما يقع عنده من الإيمان أكثر ، وإذا « 4 » كان من يؤمن عنده أكثر عددا ، ويزعمون فيما هذا حاله أنه أصلح ؛ وذلك مما تجده مشروحا في موضعه .
--> ( 1 ) في الأصل : وجود . ( 2 ) في الأصل : من . ( 3 ) في الأصل : فمن . ( 4 ) في الأصل : فإذا .