القاضي عبد الجبار الهمذاني
220
المغني في أبواب التوحيد والعدل
شبهة أخرى قالوا : لا دليل أدل على صحة قولنا من شهادة الوجود له ؛ وقد عرفنا أن كثيرا من المكلفين تحملهم الشدّة والفقر على ترك الصلاة والتهاون بالعبادات ؛ وقد ابتلاهم اللّه تعالى مع ذلك بهما ؛ فلو كان اللطف واجبا لما صح ذلك . واعلم أن الفقر والشدة والمرض والسقم والمصائب والمحن ، وإن وجدناها نازلة بالمكلف ، لا نجدها داعية له إلى ما لولاها كان لا يفعله من المعاصي ؛ لأن العلم بوقوع المعاصي عندها لا يتضمن العلم بوقوعها لأجلها ، وإنما تحصل فيما أوردوه شبهة لو صح أن نعلم وقوع ذلك لأجلها على وجه لولاها كانت « 1 » لا تقع ولا تختار ؛ وذلك لا يعلم إلا بالسمع ؛ لأن نفس المكلف لا يصح أن يجده في نفسه ، فبأن لا يعلم غيره منه أولى ؛ وإذا كان لا يعلم إلا سمعا فكيف يمكن ادّعاء الوجود في ذلك ؟ فإن قال : إني ادعى في ذلك من الوجوب في العقل ما يجوز كون « 2 » النظر والمعرفة لطفا . قيل له : قد بينا أن المعرفة بحصول المنافع في الفعل تدعو إلى فعله ؛ وكذلك العلم بحصول المضار فيه يصرف عن فعله ؛ والظن والخوف في هذين كالمعرفة واليقين ؛ فلذلك حكمنا في المعرفة بأنها لطف إذا كانت مختصة بما ذكرنا . وليس كذلك حال الفقر ، لأنه لا تعلق له بترك الصلاة . بل لو قيل إن تعلقه « 3 » بفعلها أقرب من جهة العقل كان / أولى لأن ( رويه « 4 » ) المكلف تقتضى بذل الجهد في إزالته واستجلاب الغنى ، وذلك مما يدعو إلى
--> ( 1 ) في الأصل : كانت ، والمراد المعاصي . ( 2 ) في الأصل : في كون . ( 3 ) في الأصل : تعلقها ، والمراد تعلق الفقر . ( 4 ) مطموسة .