القاضي عبد الجبار الهمذاني
214
المغني في أبواب التوحيد والعدل
سألوا على غير هذا الوجه كانوا مخطئين ، كما يخطئ المجبر إذا سأل ذلك وأراد بالمسألة نفس القدرة والتمكين « 1 » . * * * شبهة لهم وأحد ما تعلقوا به أنه لا مبتلى إلا وفي العقل متقرر أن يسأل العافية ، وأن يرغب إلى اللّه تعالى ، مع تجويز كون ذلك البلاء في المستقبل لطفا له . وذلك يدل على أن اللطف غير واجب ، وإلا فقد كانت هذه المسألة قبيحة . كذلك القول في مسألة الفقير والغنى ، وهذا بعيد . وذلك لأن هذه المسألة « 2 » إنما تحسن بالشرط الّذي ذكرناه ؛ لأنه لا مريض إلا ويجوز في المستقبل أن الصحة لا تكون فسادا له . وقد تقرر في العقل وجوب إزالة المضرة إذا أمكنه « 3 » وطلب ذلك من غيره إذا لم يمكنه ، فيسأل اللّه على هذا الحد . ولو قطع على أن إدامة السقم صلاح له يخبر نبىّ ، كان لا يمتنع أن تحسن منه المسألة على جهة الانقطاع إليه تعالى في الوجه الّذي ذكرناه ، ويكون ذلك لطفا له في اختياره ما ينفعه في العافية على ما يضره . وبعد : فقد نبه السمع على ما قلناه بقوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ « 4 » من أمرهم فشرط تعالى في اختياره مما يختاره أن يكون فيه الخيرة ، فكذلك يجب على العبد أن يشترط ذلك فيما سأل .
--> ( 1 ) أي إذا كان سؤال اللّه اللطف هو الدعاء أن يمنحه القدرة على الفعل وأن يمكن له . ( 2 ) أي السؤال بمعنى الطلب والدعاء . ( 3 ) أي إذا أمكن صاحب العقل . ( 4 ) قرآن : س القصص : 68 ومعنى الآية أن اللّه تعالى يخلق ما يشاء من الأشياء والأفعال ويختار ذلك ، وليس للخلق خيرة ( اختيار ) في ذلك . ويجوز تفسيرها بمعنى ويختار ما كان للخلق فيه خيرة ( اختيار ) أي ما هو خير لهم وأصلح ، وهذا هو التفسير المعتزلي . فكلمة « ما » على التفسير الأول نافية ، وعلى الثاني موصولة .