القاضي عبد الجبار الهمذاني
215
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : إن كان الأمر على ما زعمتم في حسن الرغبة « 1 » - وقد علمتم أنه قد يكون المعلوم أن السقم قد يكون لطفا له ، كما قد يعلم مثله في الصحة ، وكذلك في الفقر والغنى - فهلا حسن من العبد أن يرغب إليه في السقم والفقر ، كما يرغب إليه في الصحة والغنى ، مما يدلكم ذلك على أن حالهما سواء في أن للقديم أن يفعلهما وأن لا يفعلهما ، فلذلك حسنت المسألة « 2 » في أحد الوجهين دون الآخر ؟ قيل له : إن المسألة تنقلب على صاحب اللطف وذلك أنه يقال له : هلا حسن من العبد ما سألت عنه مع تجويزك تساويهما في أنهما أصلح وفي خلافه ، فإن لم يلزمه ذلك لعلة نذكرها في هذا الباب ، فكذلك لا يلزمنا ما ذكرته ، وإن كنا نجوز فيهما التساوي في الوجه الّذي سأل عنه . وبعد : فإن العقل قد فصل بينهما ؛ وذلك لأن الداعي بالعافية لا يقطع على حصولها وإنما يلزمه بعلقه ذلك « 3 » ، كما يلزمه اختيار ما ينفعه على ما يضره ، متى لم يعلم في النفع سوى كونه « 4 » نفعا . وكذلك في الضرر يلزمه أن يجرى ما يمسه من ربه مجراه فيما يختاره لنفسه . وقد علمنا أنه لا يختار الضرر على النفع البتة . فكذلك لا يحسن منه أن يسأل على هذا الحد . هذا إن ثبت وجوبه عقلا . فأما إن ثبت ذلك من جهة السمع فقد ثبت بالإجماع وغيره أن الواجب في الدعاء طلب العافية والغنى دون الفقر والمرض ، ونبه ذلك على علته : وهي أن عند ذلك يكون أقرب إلى اختيار ما ينفع في العافية من الطاعات على ما يضر ، كما يفيدنا أن نذم الفاسق إذا غاب عنا ولا نمدحه ، وأن ننكر المنكر ولا نغار عليه لمثل هذه العلة .
--> ( 1 ) أي الرغبة في رفع الضر . ( 2 ) أي السؤال والدعاء . ( 3 ) الأفضل : وإنما يلزمه ذلك بعقله . ( 4 ) في الأصل كونها .