القاضي عبد الجبار الهمذاني

209

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إنهم أوجبوا أن يفعل تعالى ما يكون نفعا للعبد إذا لم يكن فيه ضرر وفساد ؛ فلزمهم إذا كانت كانت المنافع التي هي الملاذ ، أو تناول المدركات « 1 » والالتذاذ بها ، أو زيادة الشهوة ، وكانت أجمع لا تقف على حد ، لا يوصف تعالى بالقدرة على أكثر منها ، ولا لكونها منافع تعلق باختيار مختار ، لزمهم على قولهم بوجوب ذلك أن يفعل ما لا نهاية له ، وأن يكون مقدوره من ذلك متناهيا ، أو أن لا يجب عليه إلا ذلك القدر ، أو أن يكون غير فاعل للواجب ، أو أن لا يجب الأصلح على ما نقوله . فإذا فسدت الوجوه المتقدمة أجمع ، ثبت ما قلناه . وليس كذلك ما أوجبناه من الأصلح في باب التكليف ؛ وذلك لأنا لا نوجب فعلا له صفة مخصوصة حتى يلزم إيجاب ما تشاركه فيها ، وإنما نوجب ما يختار المكلف الفعل عنده ؛ فإذا لم يكن للزيادة في ذلك تأثير ، لم يجب علينا ما لزمهم . وكما يجوز أن يكون قدر « 2 » من الفعل هو الواجب دون ما زاد عليه ، لأن المكلف يختار المكلف الإيمان عنده أصلا : فلا يمكن أن يقال بوجوب شيء من الأفعال عليه . وأما قولهم : إذا جاز أن يقدر تعالى العبد على الإيمان فيجب أن يقدر على أن يجعله بحيث يختاره لا محالة ، كما يقدر على أن يلجئه إليه ويمنعه منه ، فبعيد « 3 » وذلك لأنهم إن أرادوا أن يجعله مختارا يفعل بفعله فيه يجرى مجرى الاضطرار أو الإلجاء فذلك مما لا نأباه ، لكنه لا يثبت التكليف معه ؛ لأنه إذا كان مضطرا إلى الإرادة أو المراد أو إلى أحدهما لم يجز أن / يكلف ذلك من يخرج بهذا الفعل

--> ( 1 ) لعله يقصد الأمور المدركة بالحس . ( 2 ) في الأصل قدرا : فهو لا يريد « أن يكون الواجب قدرا معينا من التكليف بل يريد أن يكون قدر معين من التكليف هو الواجب » بدليل قوله « فإذا لم يكن للزيادة في ذلك - أي في ذلك القدر المعين - تأثير الخ » . ( 3 ) خبر قولهم .