القاضي عبد الجبار الهمذاني

210

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عن صفة المكلف . وإن أراد أنه يقدر أن يجعله ممن يصح أن يختار الإيمان ويفعله فهو ممكن صحيح . وقد فعله تعالى من حيث أقدره على ذلك ، لكنه لا يختار « 1 » إذا جعله بحيث يصح ذلك منه أن يجب « 2 » أن يفعله ، كما لا يجب إذا صح منه تعالى أفعال أن يكون فاعلا لها . وإنما قلنا إنه تعالى موصوف بالقدرة على أن يلجئ كل كافر إلى الإيمان لأن في المقدور أفعالا معلومة يصير المكلف ملجأ عندها فصح أن نصفه بذلك . وليس في المقدور فعل معلوم « 3 » يختار عنده المكلف مقدوره لا محالة لا على وجه الإلجاء ، فكيف يجب أن نصفه بالقدرة على ذلك ؟ وليس هناك مقدور مشار إليه . وأما منعه تعالى المكلف من الفعل فمقدور أيضا ، لأنه ما به يصير ممنوعا ، وهو معقول « 4 » ، وهو أن يفعل ضد ما يقدر العبد عليه أو ما يجرى مجرى الضد . وليس كذلك حال ما يختار الإيمان عنده ، فلذلك فصلنا بين الأمرين . وأما قولهم : إذا كان اختيار الكافر الإيمان إنما يكون عند الدواعي وهي معقولة ، فلا بد من إثباته تعالى قادرا عليها كما يقدر على الصوارف ، وذلك يصحح القول بأنه تعالى قادر على ما يختار الكافر الإيمان عنده ، فبعيد : وذلك أن الدواعي على ضربين : أحدهما لا يتغير حاله وحال المختار معه ، فذلك مما يجب عنده الاختيار أو الكف نحو ما نقوله من أنه تعالى مع علمه بقبح القبيح وعلمه بأنه غنى عنه لا يختاره البتة . فكما نقول إنه لا بد من أن يفعل الواجب ، وكما نقول فيما ألجئ

--> ( 1 ) يختار اللّه - إذا جعل العبد بحيث يصح ذلك منه - أن يجب على العبد أن يفعله . ( 2 ) أي كما أنه ليس من الواجب إذا صح أن يفعل تعالى أفعالا أن يكون فاعلا لها بالفعل وهذا مخالف لقول الفلاسفة إن كل ما من شأنه أن يفعله تعالى فإنه يفعله بالفعل لخلوه تعالى عن كل ما هو بالقوة . ( 3 ) في الأصل فعلا معلوما . ( 4 ) لعلها مفعول .