القاضي عبد الجبار الهمذاني
198
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يفسد ، جاز استعمال ذلك فيه . أو أن يكون تعالى دله على أمارة تقتضى هذا الخوف والخشية . وقوله سبحانه : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ « 1 » ، يدل على ما نقوله : لأنه تعالى بين أنه جنّبه هذه الحال لكي لا يرتابوا . وذلك يدل على أنه لا يفعل ما يفسدون عنده ؛ بل يفعل ما يصلحون عنده . وعلى هذا أدّبه بمجانبة ( القطاط ) « 2 » ودله على أنه إنما يعتده به لكي لا ينفروا منه . وقوله تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ « 3 » . يدل على ما نقوله : لأنه بيّن أنه لو علم فيهم قبولا لأسمعهم ، لكنه لما لم يعلم ذلك من حالهم ، وعلم أنهم يعرضون معه لم يفعله لهم . فلولا أنه قد التزم بالتكليف أن يفعل ما يقبلون عنده لم يكن لهذا الكلام معنى . وقوله سبحانه : وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ « 4 » يدل أيضا على ما نقوله : لأنه بين أنه إنما لا يرحمهم ولا يكشف الضرّ عنهم لأنهم يستمرّون على طغيانهم ويتمسكون به . فلولا أنه علم أنهم كانوا يتمسكون بذلك لو فعل ما ذكره لم يكن للكلام معنى « 5 » . وقد بينا من قبل أن هذه الآيات كما تدل على بطلان قول أصحاب اللطف ، فكذلك تدل على بطلان قول المجبرة ؛ لأنه لا يجوز منه تعالى أن يمتن بما تضمنته
--> ( 1 ) قرآن : سورة العنكبوت : 48 . ( 2 ) غير واضحة ، ومن معاني القطاط الكتب ، وفي الآية السابقة إشارة إلى أمية النبىّ عليه السلام وتجنيبه تلاوة الكتب . ( 3 ) قرآن : سورة الأنفال : 22 . ( 4 ) قرآن : سورة المؤمنون : 75 . ( 5 ) الأصل : فلولا أنه علم أنهم كانوا لا يتمسكون بذلك لكان يفعل ما ذكره لم يكن للكلام معنى .