القاضي عبد الجبار الهمذاني
197
المغني في أبواب التوحيد والعدل
والتعريف بحال من بعث إليهم « 1 » أن فيهم من المعلوم من حاله أنه لا يؤمن عند شيء من الآيات ، فلو كان تعالى قد لا يفعلها آمنوا أو لم يؤمنوا ، لم يكن لهذا الكلام معنى . وقوله تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 2 » ، فدل على ما قلناه من حيث دل به على أن عند فضله ورحمته يختارون ما يزكون به وما « 3 » عنده يزكيهم تعالى ويمدحهم عليه . وقد علمنا أنه تعالى لم يرد بذلك التمكين ، لأن مع فقده لا يصح الفعل البتة ؛ فلا يكون لهذا التخصيص معنى ، ولأنه مع فقده لا يصح الفعل في حال وأحوال ، فلا يكون لذكر التأييد معنى . وإنما يفيد ذلك إذا حمل على أنه لولا ألطافه ومعونته لم يكن ليزكو أحد منهم ، وأنه تعالى كما ينعم عليهم بذلك فإنه ينعم عليهم بأن يظهر فعلهم ويأمر بإعظامهم والثناء عليهم ، فيكون منعما عليهم من كل جهة . وقوله تعالى في قصة موسى وصاحبه : وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً . يدل على ما نقوله : لأنه بيّن أنه إنما قتله من حيث خاف على أبويه أن يزولا عما هما عليه من الإيمان عند حياته وبقائه . فإذا تعبد عز وجل بذلك مع الخوف الّذي هو الظنّ ، فبأن يفعل ذلك مع العلم أولى ؛ لأنه إنما تعبد بذلك للعلة التي ذكرها ، وهي قائمة في ذلك إذا كان من فعله . ولا يجوز أن يحمل هذا الصنيع إلا على أنه فعله بوحي ، لأن هذا الخوف مما لا أمارة له متى خلا من سمع . فإذا صح ذلك فقد يجوز أن يكون / تعالى أعلمه بذلك . وعبّر بالخشية عليه على جهة المخافة وأنه لما لم يعلم - لو بقي « 4 » - متى
--> ( 1 ) في الأصل : إليه . ( 2 ) قرآن : سورة النور : 21 . ( 3 ) أي ويختارون ما عنده الخ . ( 4 ) أي الغلام .